دمشق-سانا
قدّم الباحث مازن ستوت اليوم الخميس قراءة موسّعة في المسيرة العلمية والثقافية للدكتور حسني سبح، وما تركه من أثر عميق في ميادين الطب والتعليم والتعريب وخدمة اللغة العربية، وذلك خلال محاضرة بعنوان “إضاءة على مسيرة الدكتور حسني سبح وجهوده في الطب واللغة العربية” في المركز الثقافي العربي بأبو رمانة.
شخصية علمية متكاملة

وبيّن ستوت أن الدكتور سبح يُعدّ من كبار رواد الطب في سوريا وأحد أعلام العلوم الطبية في القرن العشرين، إذ جمع بين التميز العلمي والاهتمام العميق باللغة العربية، ليقدّم نموذجاً فريداً لتكامل المعرفة الطبية واللغوية، وكان من أوائل الداعين إلى تدريس العلوم الطبية باللغة العربية وتعريب مناهجها ومصطلحاتها.
كما عُرف بغزارة إنتاجه العلمي في الطب واللغة والأدب، مقدّماً مؤلفات ومعاجم أسهمت في ترسيخ مكانة العربية لغةً للعلم والبحث.
محطات وطنية بارزة
لفت ستوت إلى أبرز المحطات في حياة الدكتور سبح، ومنها مشاركته الوطنية المبكرة في إسعاف جرحى معركة ميسلون، وتوثيقه في تقرير طبي تاريخي استشهاد البطل يوسف العظمة، وبعد تخرجه، عمل معاوناً في المكتب الطبي ثم معاوناً لرئيس المخبر في المعهد الطبي العربي، قبل أن يُعيّن رئيساً للمخبر بعد استكمال اختصاصه وعودته إلى دمشق.

وتدرّج في السلك الأكاديمي حتى أصبح أستاذاً للأمراض الباطنية عام 1932، ثم عميداً لكلية الطب ورئيساً للمعهد الطبي العربي عام 1938، وتابع مسيرته بتولي رئاسة الجامعة السورية، جامعاً بين إدارة الكلية والجامعة، فيما استمر في التدريس قرابة أربعة عقود نقل خلالها أحدث المعارف الطبية إلى طلابه.
تعريب العلوم الطبية
وأوضح ستوت أن الدكتور سبح انتُخب عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1945، قبل أن يتولى رئاسة المجمع عام 1968، حيث قاد جهوداً واسعة لتعريب العلوم الطبية وتوحيد المصطلحات العلمية، وعمل على تبسيط اللغة العلمية لتكون أقرب إلى الباحثين والطلاب، وكان من أبرز المساهمين في إعداد المعجم الطبي العربي الموحد، وكرّس معظم وقته لدراسة المصطلحات ومراجعتها بدقة، ما جعل آراءه مرجعاً مهماً للمختصين.
إنجازات وتكريم واسع

ومن أبرز إنجازاته تأسيس جمعية المواساة السورية عام 1943 التي قامت ببناء مستشفى المواساة في دمشق وإهدائه للحكومة السورية، وظل رئيساً للجمعية حتى عام 1975، وأسهم في تأسيس كلية الطب والجامعة السورية طبيباً وأستاذاً وعميداً ورئيساً للجامعة، إلى جانب تأليفه أكثر من عشرين كتاباً ومرجعاً ومعجماً في الطب واللغة.
ونال سبح تقديراً واسعاً في الأوساط العلمية العربية، وحصل على العديد من الأوسمة، كما أطلقت محافظة دمشق اسمه على أحد شوارع المدينة وصدر طابع بريدي تخليداً لمسيرته.
قدوة علمية وإنسانية
وعُرف الدكتور حسني سبح بصفاته العلمية والإنسانية الرفيعة، إذ كرّس حياته للعلم والتعليم، وأتقن التركية والفرنسية والألمانية والإنكليزية، وتميّز بالنزاهة والصدق والتواضع وتقديس الواجب، مؤمناً بأن العلم هو السبيل إلى التقدم والازدهار.

ولفت ستوت في تصريح لسانا إلى أهمية استعادة تجربة هذا العالم السوري الرائد اليوم بوصفها نموذجاً يجسّد قدرة العربية على مواكبة التطور العلمي، مؤكداً أن الاستثمار في المعرفة وتعريب العلوم يشكّلان ركيزة أساسية في بناء أجيال قادرة على الإنتاج العلمي والإبداع الحضاري.
يذكر أن حسني سبح هو طبيب ولغوي سوري ومعرّب للعلوم الطبية، ولد في دمشق عام 1900 وتوفي عام 1986.


