دمشق-سانا
أقامت المكتبة الوطنية بدمشق، اليوم الإثنين، حفلاً تكريمياً للعلامة الدكتور مازن المبارك، تقديراً لمسيرته العلمية والثقافية وإسهاماته الواسعة في خدمة اللغة العربية، وتحقيق التراث وإعداد أجيال من الباحثين والدارسين.
وكرّم وزير الثقافة محمد ياسين الصالح أسرة الراحل بتقديم درعٍ لابنه الدكتور زاهر المبارك، بحضور نخبة من الأدباء واللغويين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الثقافي.

وأكد الوزير الصالح في كلمته، أن هذا التكريم لا يندرج في إطار الوفاء الرمزي فحسب، بل يأتي اعترافاً بقامة علمية استثنائية كرّست حياتها لخدمة العربية والثقافة والمعرفة، وأشار إلى أن الراحل كان يمتلك حضوراً خاصاً في النفوس، إذ تعكس نبرته وعمق حديثه ودقة اختياره للكلمات شخصية علمية وأخلاقية متفرّدة، تجعل المستمع يشعر أنه أمام عالمٍ يجسّد اللغة سلوكاً وذائقة قبل أن يشرحها علماً ومنهجاً.
وأضاف أن مازن المبارك لم يكن مجرد عالم لغوي، بل كان جزءاً حيّاً من ذاكرة دمشق الثقافية ورمزاً من رموزها، امتزج فيها العلم بالخلق والانتماء، فصار عنواناً من عناوينها، ومن يقرأ في حديثه يسمع صوت قاسيون وبغداد معاً، فهو ابن هذه الأرض التي احتضنت الجميع، وكان امتداداً للبنيان الوطني الجامع.
وأوضح الصالح أن أثر المبارك تجاوز العلم الذي تلقّاه طلابه، ليبلغ الأخلاق والتواضع والمنهج، إذ كان حديثه العلمي يشي بأخلاقه من دون أن ينطق بها، متجليةً في وجهه ونبرته، لافتاً إلى أن تكريم الفقيد هو تكريم لدمشق ولعلمائها الذين تركوا بصمتهم في الحياة الثقافية العربية، مؤكداً أن إرثه سيظل حاضراً بما خلّفه من معرفة وعلاقة راسخة باللغة والناس والوطن.
تلا الحفل ندوة فكرية شارك فيها الدكتور محمد حسان الطيان والدكتور أيمن الشوا، وأدارها الدكتور مسلم طيبة الذي استهل الندوة بالتأكيد على أن هذا التكريم يأتي وفاءً لقامة علمية كرّست حياتها لخدمة العربية والدفاع عنها، بوصفها رسالةً وانتماءً قومياً ولغة القرآن الكريم، كما أشار إلى دور المكتبة الوطنية في حفظ الذاكرة الثقافية والتعريف بالقامات الفكرية السورية والعربية.
وتحدث الدكتور الطيان عن نشأة الراحل في بيئة علمية راسخة امتدت جذورها في دمشق منذ القرن الثالث عشر، حيث حظي برعاية علمية مبكرة جعلته قريباً من مجالس العلماء ومجالس المجمع، قبل أن تتشكل ملامح مشروعه العلمي في خدمة العربية والدفاع عنها، وبيّن أن المبارك كان امتداداً لأسرة علمية أنجبت أعلاماً بارزين، وفي مقدمتهم والده الشيخ عبد القادر المبارك، الذي وصفه بأنه “قاموس يمشي بين الناس”.
وأشار الطيان إلى أن الراحل واجه التحديات الفكرية التي رافقت التحولات الكبرى في عصره بوعيٍ علمي راسخ، إذ نبّه مبكراً إلى خطورة الغزو الفكري الذي يستهدف اللغة والهوية والدين، مؤكداً في كتابه “نحو وعي لغوي” أن الأمن اللغوي لا يقل أهمية عن الأمن القومي والسياسي والغذائي.
كما لفت إلى أن المبارك جمع بين المدرستين الشامية والمصرية، وتفاعل مع رموز النهضة العربية في مصر بروح العالم المنفتح لا المقلّد، فغدا مشروعه اللغوي مدرسة فكرية وأخلاقية متكاملة.
من جهته، أكّد الدكتور أيمن الشوا أن الراحل كرّس حياته لخدمة العربية في ميادين التعليم والإعلام والثقافة، وأن مشروعه لم يقف عند حدود التأليف والتدريس، بل سعى إلى تمكين اللغة وإعادة الاعتبار لها في الحياة العامة، وبيّن أن اهتمامه بتيسير النحو العربي كان جزءاً من رؤيته لتقديم علوم العربية بصورة متكاملة ومفهومة بعيداً عن التعقيد، وأن غيرته الصادقة على اللغة جعلته واحداً من أبرز رموز الثقافة العربية المعاصرة.
ولد الدكتور مازن عبد القادر المبارك في دمشق عام 1930 ضمن أسرة علمية عُرفت بخدمتها للعربية، ونال إجازته في الآداب من جامعة دمشق قبل أن يحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة القاهرة في النحو وتحقيق التراث، وعمل أستاذاً في جامعة دمشق وعدد من الجامعات العربية، وكان عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق، وخلّف مؤلفات بارزة في النحو والبلاغة والدراسات اللغوية، منها النحو العربي ونحو وعي لغوي، ونال عام 2025 جائزة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية عن نشر الوعي اللغوي، قبل رحيله في تموز 2026 بعد مسيرة طويلة في خدمة العربية وتعليمها.



