دمشق-سانا
في لحظة تحمل بعداً ثقافياً وإنسانياً لافتاً، عادت أفلام وثائقية سورية لتُعرض في دمشق ضمن تظاهرة “أفلام الثورة السورية” بدورتها الثانية في دار الأوبرا، في تجربة فتحت مساحة لاستعادة الذاكرة البصرية وإعادة قراءة الحكاية من مكانها الأول.
السينما تعود إلى جمهورها
المخرج هشام الزعوقي، الذي شارك بعدد من أعماله في التظاهرة، أوضح في حديثه لـ سانا أن السينما تؤدي دوراً محورياً في توثيق الأحداث وصون الذاكرة وبناء الجسور بين السوريين، مشيراً إلى أن عرض أفلامه في دمشق بعد سنوات من إنجازها شكّل لحظة شخصية استثنائية، لأنه أعاد الأعمال إلى الجمهور الذي وُجدت من أجله.
ويضيف الزعوقي: إن هذه العودة لم تكن مجرد عرض سينمائي، بل استعادة لذاكرة كاملة، حيث التقت الأفلام بأرضها الأولى وجمهورها الطبيعي، وهو ما منح التجربة بعداً إنسانياً مضاعفاً.
من الخيال إلى التوثيق
عن تحوله إلى السينما الوثائقية، يوضح الزعوقي أنه كان يعمل على مشروع روائي قبل عام 2011، إلا أن الثورة السورية دفعته إلى الانتقال من الخيال إلى التوثيق، مؤكداً أن هذه الخطوة لم تكن خياراً فنياً بقدر ما كانت ضرورة أخلاقية لحفظ الحقيقة في مواجهة محاولات التشويه وإعادة صياغة الوقائع.
ويرى الزعوقي أن الصورة المباشرة للعنف تفقد تأثيرها مع التكرار، لذلك اتجه في أعماله إلى التركيز على البعد الإنساني، عبر نقل مشاعر الناس وتفاصيلهم الداخلية من خوف وأمل وقلق، باعتبارها المدخل الأكثر قدرة على التأثير في المتلقي، معتمداً لغة بصرية تمزج بين الحس الوثائقي والبعد الروائي.
السينما بين العدالة والذاكرة
يؤكد الزعوقي أن السينما لم تكن بعيدة عن مسار الثورة، بل شكلت جزءاً من معركة السردية حول كيفية رواية الحكاية، مشدداً على أن الصورة الصادقة قادرة على تثبيت الحقيقة والمساهمة في بناء وعي جمعي يستند إلى الذاكرة.
وفيما يتعلق بدور السينما في المرحلة الحالية، يوضح الزعوقي أنها يمكن أن تسهم في دعم مسار العدالة الانتقالية من خلال حفظ الذاكرة، مع الإبقاء على ضرورة المساءلة كمسار أساسي لتحقيق العدالة، معتبراً أن الفن قادر على الجمع بين البعد الإنساني ومتطلبات العدالة في آن واحد.
ويصف المرحلة الراهنة للسينما السورية بأنها معقدة، وتتطلب عملاً طويل الأمد لإعادة البناء، عبر الاستثمار في التدريب وتطوير الكوادر وفتح المجال أمام الإنتاج، حتى بميزانيات محدودة، إلى جانب تعزيز النقاشات حول الفن السابع، بوصفه ثقافة لا مجرد محتوى بصري.
ويختم الزعوقي حديثه بالتأكيد أن السينما أداة وعي يمكن أن تسهم في إعادة بناء الإنسان وصون الذاكرة وترسيخ القيم الإنسانية، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية مسؤولة.
يُذكر أن المخرج هشام الزعوقي من مواليد دمشق، ويحمل الجنسية النرويجية، درس الأدب في جامعة دمشق، ثم السينما في جامعة أوسلو وأكاديمية الفيلم والتلفزيون في النرويج، وأنجز عدداً من الأفلام الوثائقية والروائية، وتعاون مع مؤسسات دولية بينها التلفزيون السويدي وقناة الجزيرة الوثائقية، ونال جوائز دولية عدة عن أعماله، إضافة إلى مشاركاته في مهرجانات ولجان تحكيم، وإصداره أعمالاً وسلاسل وثائقية أبرزها “يا حرية”.