دمشق-سانا
يبرز قصر العظم بدمشق القديمة كأحد النماذج الحية التي لا تزال تغذي التجربة التشكيلية السورية المعاصرة، وتختزن ملامح العمارة الإسلامية، حيث أصبح مرجعاً بصرياً يستعيده الفنانون في أعمالهم، ضمن حوار متواصل بين الماضي والحداثة، في الوقت الذي تتجه فيه الفنون البصرية نحو إعادة قراءة التراث.

جاء ذلك في محاضرة بعنوان “قصر العظم في مهد الفن الإسلامي… تألق، ومع ولادة الفن التشكيلي السوري استمر”، ألقاها رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين الدكتور محمد صبحي السيد يحيى، في قصر العظم اليوم الثلاثاء، متناولاً فيها الأبعاد التاريخية والجمالية لهذا الصرح، ودوره في ربط التراث بالحداثة الفنية.
ولفت السيد يحيى إلى أن قصر العظم شيّد في القرن الـ 18 على يد الوالي العثماني الأمير أحمد باشا العظم في دمشق، ليعكس نموذجاً متكاملاً لفن العمارة العثمانية، ويمثل امتزاجاً غنياً بين الفنون الإسلامية التقليدية والتقاليد العثمانية في التصميم والزخرفة.
تفاصيل الطابع المعماري الفريد
وأوضح السيد يحيى أن القصر يتميز بتصميم داخلي وخارجي غني، حيث تتزين جدرانه بالأقواس المعمارية المزخرفة بالنقوش الإسلامية التقليدية، من الخط العربي إلى الزخارف الهندسية المتقنة، ويضم فناءً واسعاً، وحدائق صُممت وفق الأسلوب التقليدي للحدائق الإسلامية، بما يعكس حساً جمالياً قائماً على التناغم والسكينة.
أما من حيث المواد، فبيّن رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين أنه استُخدم في بناء قصر العظم عناصر محلية كالرخام الملون والخشب المنقوش، في تجسيد واضح للتنوع الثقافي والفني في البيئة الدمشقية.
كما تظهر الزخارف في القصر حسب المحاضر براعة فائقة في توظيف العناصر النباتية والأشكال الهندسية التي سادت في العصر العثماني، إلى جانب تأثيرات عربية وإسلامية واضحة، كما يبرز الخط العربي كعنصر جمالي أساسي، حيث يحضر في النقوش والزخارف، ليعكس عمق حضور الفنون الإسلامية في تفاصيل الحياة اليومية.
تأثير قصر العظم على بدايات التشكيل السوري

وأشار رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين إلى أن الفن التشكيلي السوري المعاصر يمثل امتداداً مباشراً لهذا الإرث الثقافي الذي كان قصر العظم أحد رموزه، إذ شهدت دمشق منذ مطلع القرن العشرين تطوراً ملحوظاً في هذا المجال، وبدأ الفنانون السوريون بتجريب أساليب جديدة تجمع بين التراث الإسلامي والاتجاهات الحديثة، في تفاعل خلاّق بين الماضي والحاضر.
وبرزت في التشكيل السوري اتجاهات فنية متعددة استلهمت هذا الإرث، ذكر من بينها المحاضر التجريد المرتكز على الأنماط الهندسية الإسلامية، والواقعية الاجتماعية التي عبّرت عن قضايا المجتمع، إلى جانب النزعات الرمزية والزخرفية التي حافظت على حضور العناصر التقليدية.
وأكد المحاضر أنه رغم تأثر الفنانين بالمدارس العالمية كالتكعيبية والتجريدية، بقي جوهر الفن الإسلامي حاضراً عبر استلهام روحه الزخرفية والرمزية، التي تميزت بها معالم قصر العظم.
وأشار رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين إلى أسماء عدد من الفنانين جسدوا هذا التفاعل بين التراث والحداثة، من بينهم خليل سكاكيني وسامي الجندي ووليد سالم كموش وجورج عشي، حيث عملوا على دمج العناصر التقليدية مع الأساليب الحديثة، سواء في رسم المناظر الطبيعية أو في الأعمال التجريدية.
قصر العظم… ذاكرة حية
وتوقف السيد يحيى عند تأثر الفنانين التشكيليين بشكل مباشر بالعناصر الزخرفية والمعمارية للقصر، حيث انعكست هذه التأثيرات في أعمالهم عبر أساليب حديثة، كالتجريد والزخرفة الرقمية، ما أضفى بعداً معاصراً على التراث.
وختم رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين محاضرته بالقول: إن قصر العظم ليس مجرد معلم معماري، بل هو مكتبة حية تروي تاريخ الفن الإسلامي في سوريا، وتواصل تأثيرها في الحاضر، بما يعكس التنوع الثقافي والفني الذي تميزت به دمشق عبر العصور.
يُعد قصر العظم أحد أبرز النماذج التي جمعت بين العمارة الدمشقية التقليدية والطراز العثماني، ما يعكس تداخلاً فنياً ميّز الأبنية التاريخية في دمشق خلال تلك المرحلة، أمثال خان أسعد باشا وبيوت السباعي ونظام والقوتلي وغيرها.