دمشق-سانا
في ركن من أركان بازار “أيادٍ سورية” الخيري الذي انطلق أمس الإثنين في فندق الشرق بدمشق، لم تكن اللوحات الملوّنة وحدها ما يجذب الزوار، بل كانت القصة الإنسانية التي تقف وراء كل لوحة تنبض بالحياة، هناك، جلست الفنانة التشكيلية دعاء البسطاطي أمام أعمالها الفنية، تتحدث بصمتٍ ناطق عن كيف يمكن للإرادة أن تتجاوز جميع التحديات، وتحوّل الصعاب إلى سبل إبداع.
تحمل الريشة بقدميها وتحوّل الصعوبة إلى وسيلة تعبير

ولدت دعاء دون ذراعين، لكنها لم تفتقد يوماً حلمها، فقد تعلمت أن تحمل الريشة بقدميها وتحوّل الصعوبة إلى وسيلة تعبير، ما جعل لوحاتها مساحة حرة تعكس مشاهد الحياة المتنوعة، من الأطفال إلى كبار السن، ومن رسائل الأمل إلى لوحات روحانية تتغنى بشهر رمضان.
وأكدت دعاء في حديثها مع مراسلة سانا، أن مشاركتها في بازار “أيادٍ سورية” كانت الأولى لها بعد سنوات من إقامة المعارض الفنية، وقالت: إن هدفها لم يكن البيع فقط، بل كان الأهم هو الوصول إلى شريحة أوسع من الناس، لتعريفهم بتجربتها، وإيصال رسالة مفادها بأن الإبداع لا يعرف حدوداً، وأن الإعاقة لا تشكّل حاجزاً أمام الفن.
رحلة طويلة من الصبر والمثابرة
لم تكن لوحات دعاء مجرد ألوان مرسومة على الزجاج، فهي تجسيد لرحلة طويلة من الصبر والمثابرة، فمنذ تخرجها من الجامعة، اختارت أن تطور تقنيتها الخاصة في الرسم على الزجاج، لتثبت أن الفن يمكن أن يكون لغة تتجاوز الجسد، إذا ما كان الإصرار هو المحرّك الأهم.
وسط حركة الزوار وضجيج البازار، كانت أعمالها تتحدث بصوت أعلى من الكلمات، قصة إنسانة آمنت بنفسها، رفضت أن تكون الإعاقة عنواناً لها، واختارت أن تكون فنانة ورسالة وإلهاماً لكل من يظن أن الطريق مغلق.
تحويل الألم إلى جمال
في “أيادٍ سورية”، لم تكن دعاء مجرد فنانة، بل كانت نموذجاً حيّاً على أن الإرادة السورية قادرة على تحويل الألم إلى جمال، والتحدي إلى إنجاز، والحلم إلى لوحة تظل عالقة في ذاكرة كل من يراها.
رحلة دعاء البسطاطي الفنية بدأت منذ سن العاشرة، ثم تلقت تعليمها في أحد مراكز الفنون التشكيلية المتخصصة في فن المدرسة الواقعية، لتتابع بعدها في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، حيث استطاعت أن تتقن الرسم على الزجاج والحرير، مؤكدة أن الرسم على الزجاج هو تعبير عن روحها، ففي طبيعته الشفافة يكمن الأمل، رغم صعوبة التعامل مع مادته، وتعتز بالفترة التي قضتها مع عائلتها، وخاصة شقيقتها التي كانت الداعم الأكبر لها، وشجعتها على المضي قدمًا في عالم الفن.
مشاركات محلية وخارجية
شاركت دعاء في معارض جماعية داخل سوريا وخارجها، في أوكرانيا وبريطانيا والأردن، كما قدمت معارض فردية لاقت إعجاباً كبيراً، ومنها معرضها الفردي الأول في ثقافي كفرسوسة عام 2018، الذي تضمن 33 لوحة بتقنية الرسم على الزجاج، وتنوعت مواضيع اللوحات بين الطبيعة والمناظر الحضرية لحارات دمشق القديمة.
وفي عام 2020، قدمت دعاء معرضها بعنوان “فتيات”، الذي ضمّ مختارات من إبداعاتها الفنية، حيث أوضحت أن عنوان المعرض يعبر عن الوجوه المختلفة للنساء وحالة الضياع التي تعيشها المرأة في مجتمعها بسبب ظروف معينة.
وفي عام 2023، قدمت معرضاً حمل عنوان “رحلة عمر”، اختصرت فيه البسطاطي رحلة الإنسان من لحظة ولادته وحتى وفاته عبر ريشتها المبدعة، وضم المعرض 35 لوحة صورت فيها الأطفال وكبار السن، ودمجت بينهما بأسلوبها الفريد في الرسم العكسي على الزجاج، مظهرةً في بعض اللوحات تفاصيل العمر، وأخرجت من صلابة الزجاج روح الحنان، لتكون أعمالها رسالة أمل لجميع الأجيال.
إبداع مرتبط بالإرادة
يقتصر حلم الفنانة دعاء البسطاطي على أمر واحد، وهو أن يُنادى عليها كفنانة، وليس كـ “الفتاة التي بلا ذراعين”، وذلك في سعيها المستمر لإثبات أن الإبداع لا يرتبط بالجسد، بل بالإرادة.
ويستمر بازار “أيادٍ سورية” الخيري في فندق الشرق بدمشق، ثلاثة أيام، تزامناً مع اقتراب شهر رمضان المبارك، بهدف دعم السيدات والأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز مهاراتهم من خلال عرض مجموعة واسعة من الأعمال اليدوية التي تعكس الإبداع والإصرار وروح الإنتاج.