دمشق-سانا
تبرز الحاجة في مرحلة ما بعد التحرير إلى ترميم ما خلّفه النظام البائد من آثار عميقة على بنية الأسرة في سوريا ووظائفها، وفي هذا السياق، يقدّم الدكتور مأمون توفيق مبيض كتيّبه الأسرة السورية بعد التحرير: “جسر الأمان”، موزعاً أفكاره على عشرة فصول تسعى إلى تحويل الصدمات إلى مصادر قوة، وتقديم مقاربة نفسية واجتماعية لتعافي الأسرة السورية.
وظائف الأسرة والتحديات الراهنة
يركّز الفصل الأول على الوظائف الأساسية للأسرة، محدداً خمس وظائف جوهرية تبدأ بالدور العاطفي القائم على الحب غير المشروط، مروراً بالدور الاجتماعي في غرس القيم الثقافية، والاقتصادي في تأمين الاحتياجات الأساسية، والنفسي في تعزيز الهوية، وصولاً إلى الدور التربوي في بناء مهارات الحياة.
كما يؤكد الفصل أهمية الأمان النفسي والاجتماعي، مع تحقيق التوازن بين الحماية والاستقلال، مختتماً بدراسة حالة لطفلة عاشت تحت القصف.
أما الفصل الثاني، فيتناول التحديات الاقتصادية والنفسية التي تواجه الأسر بعد التحرير، إلى تغيّر الأدوار داخل الأسرة، حيث أصبحت المرأة المعيل الأساسي في كثير من الحالات.
كما يتطرق إلى الصدمات الفردية والجماعية، مثل القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والتهجير المتكرر، مؤكداً أن الأسرة، رغم كونها مركز البقاء، تحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي واقتصادي مستمر.
مسارات التعافي وبناء القوة الداخلية
يطرح الفصل الثالث 7 محاور لتعافي الأسرة، تبدأ بإعادة بناء الأمان النفسي، تنظيم الذات، وتوظيف الألم في مسار إيجابي، وصولاً إلى التعافي النفسي والاجتماعي والاقتصادي، ويبرز دور التعليم بوصفه شريكاً أساسياً للأسرة في تعزيز الانتماء والمهارات الحياتية، مؤكداً أن مناعة الوطن تبدأ من مناعة أسرته.
وفي الفصل الرابع، يشدد المؤلف على أن قوة الأسرة تنبع من داخلها، من خلال التواصل الصادق، الاستماع المتبادل، وتقاسم المسؤوليات بروح التعاون، بما يسهم في بناء ما يسميه المؤلف قلعة معنوية تحمي الأسرة من التفكك، حتى في ظل غياب الأمان الخارجي.
المرأة والأطفال في قلب الصمود
يتناول الفصل الخامس التحول الجذري في دور المرأة خلال فترة النظام البائد، حيث أصبحت عمود الأسرة ورمز الصمود، متحملةً أعباء اقتصادية وعاطفية وتربوية مضاعفة، في ظل غياب الرجال بسبب الاستشهاد أو الاعتقال أو النزوح، مؤكداً أن دعم المرأة وتمكينها يمثل استثماراً مباشراً في قوة الأسرة والمجتمع.
أما الفصل السادس، فيسلط الضوء على الأثر النفسي العميق للحرب على الأطفال، وفق دراسة حول ما أسماه الجروح غير المرئية، مشيراً إلى معاناتهم من القلق والاكتئاب وصعوبات التكيف والفقدان، كما يعرض مسارات للتعافي تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والمجتمع والممارسات الدينية، مؤكداً أن الأطفال، رغم ما تعرضوا له، يشكلون ركيزة أساسية لإعادة بناء المجتمع.
الدعم الخارجي وبناء المستقبل
يناقش الفصل السابع أهمية الدعم الخارجي للأسرة، عبر شبكات محلية تشمل المدارس والمعلمين والجيران والجمعيات، إلى جانب الدور الحكومي، ولا سيما لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في مجالات التوظيف والحماية والتمكين، والهيئة السورية لشؤون الأسرة في التوعية والتثقيف، مؤكداً أن تكامل هذه الجهود يعزز مناعة المجتمع النفسية.
ويركز الفصل الثامن على إعادة بناء الترابط الأسري من خلال أدوات عملية، مثل التربية الإيجابية، والأنشطة اليومية المشتركة، والروتين الصحي، لما لها من دور في تقليل آثار الصدمات وتعزيز الاستقرار النفسي، بينما يتناول الفصل التاسع بناء مجتمع أسري مستدام، داخلياً عبر التواصل والتربية الإيجابية، وخارجياً عبر المدرسة وتمكين المرأة وحماية الأطفال، لتحويل الألم إلى تماسك اجتماعي.
ويختتم الفصل العاشر بالتركيز على الوقاية المبكرة، من خلال التعرف على مؤشرات الخطر، مثل الانطواء والعدوانية، والاستجابة السريعة بالتعاون مع الأخصائيين النفسيين، لمنع الآثار طويلة الأمد للصدمات.
ويضم الكتيب ملحقين، يتضمن الأول أنشطة عملية لتخفيف التوتر، فيما يقدم الثاني جهات اتصال حكومية، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والهيئة السورية لشؤون الأسرة.
ويختتم المؤلف كتيبه برسالة موجهة إلى الأهل، يؤكد فيها أن الأسرة هي الملاذ الأول والجسر نحو مستقبل آمن، وأن الصحة النفسية تبدأ من البيت عبر الإصغاء واللعب والتشجيع، معتبراً أن كل أسرة متماسكة تمثل خطوة نحو مجتمع أكثر قوة.
نبذة عن الكاتب والكتاب
يُذكر أن الكتيب يقع في 102 صفحة، وصدر في كانون الأول 2025 عن الجمعية السورية للصحة النفسية، وهو من تأليف الدكتور مأمون توفيق مبيض، استشاري أول في الطب النفسي وعضو مجلس إدارة الهيئة العالمية للصحة النفسية (WFMH)، وهو من مواليد دمشق وخريج كلية الطب في جامعة دمشق.