دمشق-سانا
شكلت العلاقة بين التقانات الحديثة، لا سيما الذكاء الاصطناعي، ومستقبل مهنة الترجمة محور الجلسة الأولى من الندوة الوطنية للترجمة التي تقيمها الهيئة العامة السورية للكتاب في المكتبة الوطنية بدمشق، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمختصين.
التقانات الحديثة ضرورة لتعزيز فعل الترجمة
في مستهل الجلسة، أكد الدكتور عبد النبي اصطيف، مدير الجلسة، في مداخلته بعنوان “نحن والترجمة في عصر التقانات” أن التقانات الحديثة المعاصرة تقدم فرصاً هائلة لتحسين عملية الترجمة، واعتبر أن سوريا، التي تشهد حالياً نهضة في شتى المجالات، بحاجة ماسة إلى تعزيز الترجمة من أجل الانفتاح على الحضارات الأخرى، لاسيما في ظل مرحلة إعادة البناء والنهضة التي يمر بها البلد، لنقل المعرفة والتجارب، وإثراء الثقافة المحلية.
الذكاء الاصطناعي يطور الترجمة العلمية
وأكد الدكتور نضال شمعون في مداخلته بعنوان “الذكاء الاصطناعي والترجمة العلمية” أن التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي، وخاصة النماذج العصبية، أسهمت في إحداث نقلة نوعية في الترجمة العلمية، عبر التغلب على العديد من التحديات اللغوية، مبيناً أن أبرز التحديات التي تواجهها الترجمة تعقيدات اللغة العربية والاحتفاظ بالمعنى الدقيق للرموز والمعادلات العلمية، لكنه أشار إلى أهمية تكامل الذكاء الاصطناعي مع خبرة المترجم البشري.
الذكاء الاصطناعي.. من التهديد إلى التصحيح
من جهته، بين الدكتور عدنان عزوز عميد كلية الآداب في جامعة قاسيون بمداخلته “الذكاء الاصطناعي في عالم الترجمة: صديق أم عدو؟” تحليلاً بين خلاله أن الذكاء الاصطناعي دخل عالم الترجمة مبكراً بدءاً من “مترجم جوجل ” عام 2006 مروراً بالتعلم الآلي عام 2016 وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي عام 2020، حتى بات يهدد المهنة نفسها، مستشهداً بتجربة على طلبة جامعة قاسيون الخاصة بينت أن الاعتماد المفرط على الترجمة الآلية كان له أثر سلبي، لكن بعد تعديل التجربة وتحويل دور الذكاء الاصطناعي ليصبح مصححاً للأخطاء بعد ترجمة الطلاب للنصوص بأنفسهم، أصبح أداة إيجابية في توجيه الطلبة إلى أخطائهم وكيفية حلها.
الوجدان الإنساني يحجز مكانه في عصر الآلة
بدورها، ناقشت المترجمة هلا دقوري في مداخلتها “الترجمة في العصر الرقمي: تحديات وفرص وتوجهات مستقبلية”، إشكالية استخدام الذكاء الاصطناعي في ترجمة النصوص الأدبية، مؤكدةً أن المترجم يبقى الأقدر على نقل المشاعر الموجودة في الكتب الأدبية، ما يضع حدوداً فاصلة بين دور الآلة والإنسان في هذا المجال الحساس من الترجمة.
واقع جديد للترجمة
خلصت الجلسة إلى أن العصر الرقمي يفرض واقعاً جديداً على الترجمة، حيث أصبحت التقانات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، أداة لا غنى عنها لتعزيز دقة الترجمة وكفاءتها، لكنها تظل عاجزة عن اللمسة الإنسانية والإبداعية في المجالات التي تتطلب نقلاً للوجدان والمشاعر، ما يحتم تطوير مهارات المترجمين للتعامل مع هذه الأدوات بوصفها معيناً وليس بديلا.
نبذة عن المشاركين

الدكتور عبد النبي اصطيف أستاذ الادب المقارن والنقد الحديث والترجمة في جامعة دمشق، وعضو في الفريق المؤسس للمعهد العالي للترجمة والترجمة الفورية وفي اتحاد الكتاب العرب، ومن أعماله المترجمة: “صورة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الكتابات الانكلوأمريكية، من الأندلس إلى أمريكا..الموشحات الأندلسية وأثرها في الشعر الغنائي الغربي، العرب والأدب المقارن”.

نضال شمعون حاصل على دكتوراه من جامعة أكسفورد في الفيزياء النظرية، مدرس باحث في المعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا بجامعة دمشق، عضو عامل في مجمع اللغة العربية بدمشق، وفي مجلس أمناء جامعة أنطاكية السورية الخاصة، ومن أعماله المترجمة: “في طبيعة المادة النسبوية والكمومية والمتأثرة، التناظر والكون الجميل، الكون الانيق”.

عدنان زعرور عميد كلية الآداب ورئيس قسم اللغة الإنكليزية في جامعة قاسيون الخاصة، مدير العلاقات العربية والدولية في اتحاد عمال سوريا، لديه العديد من الأعمال المترجمة منها: “بكلمات أخرى ..دليلك إلى عالم الترجمة، صراع المصطلحات..وسائل الإعلام وتغيير أنظمة الحكم، تطور اللغة البشرية”.

هلا دقوري مترجمة فورية وتحريرية ومحلفة سورية.. ماجستير في الترجمة الفورية جامعة دمشق، من أعمالها المترجمة عصر الذكاء الاصطناعي ومستقبل البشر، ومقالات وأبحاث متنوعة في مجلة جسور ثقافية، وأبحاث في مجلة جامعة قطر، إضافة إلى مقالات منشورة في المجلة الموريتانية للدراسات الفلسفية.
يشار إلى أن الندوة تقام برعاية وزارة الثقافة على مدى يومين، وبتنظيم مشترك بين الهيئة العامة السورية للكتاب، ومجمع اللغة العربية والمعهد العالي للترجمة بجامعة دمشق واتحادي الكتّاب العرب والناشرين في سوريا.
وتناقش الندوة في يومها الثاني أوراقا علمية: حول مستقبل الترجمة في عصر الذكاء الاصطناعي، وتطوير مهارات المترجم عبر التعلم بالتجربة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الترجمة لأغراض إنسانية، والترجمة الإبداعية في عصر الذكاء الاصطناعي، والمترجم اليوم، وتحديات الواقع وآفاق المهنة، ومابين الإنسان والآلة، ومكانة الترجمة في عالم الأدب.