عواصم-سانا
لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي مقتصراً على الجوانب التقنية، بل اتجه نحو تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة القرار الطبي وحدود دور الخوارزميات، في ظل التحول المتسارع نحو الصحة الرقمية عالمياً.
ويأتي ذلك بالتوازي مع توجهات دولية جديدة، أبرزها الاستراتيجية المرتقبة لمنظمة الصحة العالمية للصحة الرقمية للأعوام 2028-2033، والتي تعكس انتقال الاهتمام من تطوير الأدوات إلى معالجة الأبعاد الأخلاقية المرتبطة باستخدام هذه التقنيات.
نقاش عالمي حول أخلاقيات القرار الطبي
تشير مناقشات منظمة الصحة العالمية، وفق تقارير وإرشادات منشورة على موقعها الإلكتروني، إلى أن التحول في الصحة الرقمية بات يركز على إدماج الأخلاقيات ضمن تصميم الأنظمة الذكية، في ظل تساؤلات متزايدة حول الجهة التي تمتلك القرار عند استخدام الخوارزميات في التشخيص والعلاج.
وتؤكد هذه النقاشات أن الأخلاقيات أصبحت جزءاً أساسياً من بنية التكنولوجيا، في وقت لا يزال فيه العالم يواجه صعوبة في التوافق على معايير موحدة للقرار الطبي.
تحول في أولويات الصحة الرقمية
تُظهر الاستراتيجية، بحسب منظمة الصحة العالمية، تحولاً في مركز الاهتمام نحو مفاهيم العدالة والثقة والشمول وحوكمة البيانات، حيث لم يعد السؤال الأساسي كيف تُستخدم التقنيات، بل كيف يتم تنظيمها وضبطها.
كما تدعو إلى نموذج متعدد الأطراف يضم الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية، رغم ما يطرحه ذلك من إشكاليات تتعلق بتوزيع المسؤولية.
تحديات المسؤولية في القرار الطبي
ويرى خبراء، وفق ما نشرته مجلة Harvard Business Review الصادرة عن كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد والمتخصصة في الإدارة والاستراتيجيات المؤسسية، أن هذا النموذج قد يؤدي إلى تشتت المسؤولية، في حين يبقى القرار الطبي في جوهره مسؤولية فردية واضحة، وخاصة في لحظات التشخيص والتدخل العلاجي.
ويبرز هنا التباين بين طبيعة الخوارزميات التي توزع القرار، والممارسة الطبية التي تقوم على تحمل نتائجه بشكل مباشر.
القدرة التقنية وحدود الفهم السريري
وأظهرت دراسات نشرتها مجلة The Lancet Digital Health الطبية العالمية أن الذكاء الاصطناعي قادر على تحليل البيانات الطبية بدقة عالية، والتفوق في بعض المهام، إلا أن ذلك لا يعني امتلاك فهم كامل للسياق السريري.
وتعتمد هذه الأنظمة على البيانات دون إدراك شامل للتجربة الإنسانية للمريض، ما يبرز الحاجة إلى التمييز بين القدرة الحسابية والفهم الطبي المتكامل.
أسئلة مفتوحة حول حدود الذكاء الاصطناعي
وتبقى تساؤلات أساسية مطروحة، منها تحديد المسؤولية في حال الخطأ، وآلية إيقاف الأنظمة عند الانحراف، والحالات التي يجب أن يمتنع فيها الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصيات، وفق دراسات نشرتها مجلة Nature Machine Intelligence المتخصصة في أبحاث الذكاء الاصطناعي.
ويبرز في هذا السياق مفهوم “الصمت الخوارزمي”، الذي يشير إلى ضرورة توقف الأنظمة عن العمل عندما تتجاوز البيانات حدود الموثوقية.
فجوة رقمية في تطبيق الصحة الذكية
وتوضح بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) أن نحو 30 بالمئة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية اللازمة لتطبيق هذه التقنيات، ما يثير تساؤلات حول العدالة الرقمية.
وتحذر البيانات من أن التوسع في الذكاء الاصطناعي قد يعمق الفجوة بين الأنظمة الصحية المتقدمة وتلك محدودة الإمكانات.
بين العدالة النظرية والواقع الطبي
وتشير دراسات نشرتها مجلة The BMJ الطبية إلى أن القرار الطبي لا يكون دائماً متوافقاً مع المفهوم النظري للعدالة، إذ قد يضطر الطبيب لاتخاذ قرارات سريعة استناداً إلى ظروف فردية.
وفي المقابل، تعتمد الخوارزميات على الأنماط العامة، ما يبرز الفارق بين القرار الإحصائي والقرار الإنساني.
الذكاء الاصطناعي وحدود القرار الإنساني
وتخلص تحليلات نشرتها مجلة Fast Company المتخصصة في التكنولوجيا والابتكار والأعمال إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم أهميته، لا يمكن أن يحل محل الحكم البشري بشكل كامل، نظراً لارتباط القرار الطبي بعوامل إنسانية معقدة.
كما يؤكد خبراء أن التحدي لا يقتصر على تطوير التقنيات، بل يمتد إلى تحديد المرجعيات الأخلاقية التي تحكم استخدامها.
وتعود ملامح الاستراتيجية الجديدة لمنظمة الصحة العالمية إلى قرار الجمعية العامة للصحة العالمية في أيار 2025، مع بدء المشاورات العالمية في نيسان 2026، حيث تركز على حوكمة البيانات، والاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي، وبناء بنية رقمية متكاملة، وتعزيز التعاون الدولي، بما يسهم في تحقيق أنظمة صحية أكثر كفاءة وعدالة واستدامة.