دمشق-سانا
شكّلت إقامة المحكمة العلنية لرموز النظام البائد خطوة مفصلية في مسار إطلاق المحاكمات والعدالة الانتقالية في سوريا، حيث أكد خبراء وباحثون قانونيون أنها تعكس توجهاً نحو ترسيخ مبدأ المساءلة، وتعزيز ثقة المجتمع بالقضاء، في ظل تحديات قانونية وتشريعية تتطلب استكمال الإطار الوطني بما ينسجم مع المعايير الدولية، ويضمن حقوق الضحايا.
يعيد الثقة بمؤسسات العدالة
أوضح عضو مجلس فرع نقابة المحامين في حمص المحامي عمار عز الدين في تصريح لـ سانا، أن وزارة العدل باشرت تشكيل محكمة مختصة بالعدالة الانتقالية وفق أصول المحاكمات الجزائية، تضم قاضي تحقيق وقاضي إحالة ومحكمة جنايات، مع ضمان علنية الجلسات وحضور مراقبين محليين ودوليين وصون حق الدفاع، بما يتوافق مع معايير المحاكمات العادلة المنصوص عليها في القانون الدولي.

وأكد المحامي عز الدين أن البدء بالمحاكمات العلنية لأزلام النظام البائد يشكّل الخطوة الأولى على طريق العدالة الانتقالية في سوريا، ويُعد طوق النجاة للسوريين في ظل الجراح المجتمعية المتراكمة الناتجة عن تأخر محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، مشيراً إلى أن إطلاق مسار قضائي علني وشفاف يعيد الثقة بمؤسسات العدالة، ويكرّس مبدأ عدم الإفلات من العقاب، كما يمهّد لكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا، بما يشكّل أساساً حقيقياً لتحقيق المصالحة الوطنية، وترسيخ السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.
إشراك الضحايا في مسار العدالة
وأكد عز الدين أن لهذه المحاكمات أهمية قصوى لكونها أنصفت الضحايا، إذ منحتهم بعد 15 عاماً شعوراً بأن هناك جهات قضائية تحاسب المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرضوا لها، مشدداً على أن إشراك الضحايا في مسار العدالة يُعد عنصراً أساسياً في تحقيق العدالة الانتقالية، وهو ما يصعب تحقيقه بالقدر ذاته في المحاكم الأوروبية والدولية.
ولفت عز الدين إلى أن المحاكمات تجرى وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية وقانون العقوبات السوري الذي يغطي كثيراً من الأفعال التي تم ارتكابها من المتهمين من جهة التجريم، (كالقتل والتعذيب والاغتصاب والخطف وتشكيل عصابات الأشرار والسرقة… الخ) من الجرائم التي كان يرتكبها النظام البائد بحق السوريين خلال الثورة، والتي يُعد العديد منها جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الجنائي الدولي.
مسار المحاكمات

وبيّن مدير مركز الحوار السوري الدكتور أحمد القربي أن الخيارات المطروحة لإطلاق مسار المحاكمات والعدالة الانتقالية لجرائم النظام البائد تتراوح بين التأجيل أو المباشرة الفورية أو اعتماد حل مرحلي، في ظل تحديات قانونية تتعلق بغياب إطار تشريعي متكامل يحدد توصيف الجرائم والعقوبات المرتبطة بها، مقابل مطالب مجتمعية متزايدة بالإسراع في تحقيق العدالة.
وأوضح القربي أن الخيار الأول يتمثل بتأجيل إطلاق المحاكمات إلى حين صدور قانون خاص بالعدالة الانتقالية، يضع تعريفاً دقيقاً لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ويحدد العقوبات الخاصة بها، مشيراً إلى أن هذا الخيار يوفر أساساً قانونياً متماسكاً، لكنه يحتاج إلى وقت، وقد ينعكس سلباً على ثقة الرأي العام ببدء إجراءات العدالة.
وأشار إلى أن الخيار الثاني يقوم على المباشرة الفورية بالمحاكمات استناداً إلى قانون العقوبات النافذ، بما يحقق استجابة سريعة لمطالب الشارع، إلا أنه يواجه محدودية قانونية نتيجة عدم تضمّن التشريعات الحالية توصيفاً صريحاً لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ما يؤدي إلى تكييفها ضمن جرائم تقليدية كجرائم القتل والتعذيب.
حل مرحلي
ورجّح القربي خياراً ثالثاً يقوم على إطلاق محاكمات محدودة النطاق، ولا سيما بحق كبار المسؤولين، كحل مرحلي يوازن بين متطلبات الواقع والإطار القانوني القائم، ريثما يتم استكمال التشريعات اللازمة.
ولفت القربي إلى أن الإشكالية الأساسية تكمن في مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، حيث توجد نصوص تجرّم بعض الأفعال المرتبطة بمرحلة النظام البائد دون أن تقترن بعقوبات محددة، ما يؤدي إلى نقص في اكتمال المنظومة القانونية اللازمة للمحاسبة.
وأضاف: إن الاعتماد على الاتفاقيات الدولية لتوصيف هذه الجرائم لا يكفي ضمن الإطار الوطني، لعدم تضمّنها تحديداً مباشراً للعقوبات، ما يستدعي إصدار تشريعات داخلية لمعالجة هذه الثغرات.
جرائم لا تسقط بمرور الزمن
وفيما يتعلق بالتقادم، أكد القربي أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بمرور الزمن، استناداً إلى قواعد القانون الدولي العرفي، إضافة إلى نصوص الإعلان الدستوري التي استثنت الجرائم المرتكبة خلال فترة النظام البائد من هذا المبدأ.
رمزية سيادية ووطنية

أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن أهمية المحاكمة المحلية تكمن في قدرتها على تحقيق إنصافٍ شامل للضحايا، وهو ما يصعب على المحاكم الدولية أو الأوروبية توفيره بالكامل، فالإدانة وحدها لا تكفي، بل يتطلب الإنصاف اعترافاً رسمياً بالانتهاكات، واعتذاراً علنياً، وتعويضاً مادياً، وضمانات لعدم التكرار، وهي عناصر لا تستطيع محكمة في برلين أو باريس إنجازها كاملة.
شفاء اجتماعي وسياسي
وشدد عبد الغني على أن المحاكمة المحلية في دمشق تحمل رمزية سيادية ووطنية لا غنى عنها، إذ إن مثول المتهمين أمام القضاء في بلدهم، بلغتهم وأمام مجتمعهم، يشكّل بحد ذاته عنصراً من الشفاء الاجتماعي والسياسي يسبق الشفاء القانوني، كما تُلزم المادة الرابعة عشرة من اتفاقية مناهضة التعذيب الدولة بضمان الإنصاف الفعلي للضحايا وتعويضهم، وهو ما لا يتحقق بصورة كاملة إلا عبر القضاء الوطني.
وبيّن عبد الغني أن أي محاكمة تدّعي الانتساب إلى العدالة الانتقالية يجب أن تستوفي معايير محددة وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، وفي مقدمتها ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يشمل حق الاستئناف، واستقلال القضاء، والحق في دفاع كافٍ حتى لمن ارتكبوا جرائم بشعة.
تسليم المجرمين
وأوضح عبد الغني أن المحاكمة الغيابية للمجرمين بشار وماهر الأسد والمتهمين الآخرين تثير تحديات، إذ يُقيّد القانون الجنائي الدولي المعاصر هذا النوع من المحاكمات، ولها ضمانات تكفل حماية حقوق الدفاع بما يعوّض غياب المتهم.
وأشار إلى ضرورة التمييز بين الأدوات القانونية، موضحاً أن اتفاقية تسليم المجرمين الموقعة عام 2022 مع النظام البائد هي اتفاقية ثنائية لا تُلزم روسيا بتسليم أي شخص إلى حكومة لم تكن هي الطرف الموقّع عليها، مبيناً أن سوريا تحتاج إما إلى إبرام اتفاقية جديدة أو معالجة مسألة الخلافة القانونية، كما أن الاتفاقية تتضمن استثناءات للجرائم ذات الطابع السياسي، ما قد تستخدمه روسيا لرفض تسليم المجرمين بشار الأسد وماهر الأسد.
وشدد عبد الغني على أن موقف الشبكة السورية لحقوق الإنسان هو أن هذه المحاكمات، رغم أهميتها التاريخية والرمزية، لا تغني عن الحاجة إلى آلية هجينة تتمتع باستقلال قضائي كامل، وتعتمد معايير إثبات منسجمة مع المعايير الجنائية الدولية، ولا سيما فيما يتعلق بقيادة النظام البائد العليا، التي تتطلب محاكمتها إثبات المسؤولية القيادية وفق معياري “القصد” أو “المعرفة” المنصوص عليهما في المادتين 25 و28 من نظام روما الأساسي، قياساً على ما أرسته الدوائر الاستئنافية في المحاكم الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ورواندا.
وتأتي هذه المحاكمة ضمن إطار رؤية أوسع تسعى الدولة من خلالها إلى بناء منظومة عدالة تضمن عدم تكرار الانتهاكات التي تعرض لها السوريون، وتشمل محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وتعويض المتضررين، وتوثيق الأحداث التي شكلت مفاصل أساسية في تاريخ البلاد.
هذه المحاكمة الأولى من نوعها بحق مسؤول أمني رفيع من النظام البائد، ما يمنحها أهمية خاصة على المستويين القانوني والرمزي، إذ تمثل بداية فعلية لمسار العدالة الانتقالية الذي يهدف إلى كشف الحقيقة، ومحاسبة المتورطين وإنصاف الضحايا.
كما تشكل المحاكمة فرصة لأهالي الضحايا لعرض شهاداتهم أمام القضاء، في خطوة تُعد جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.