محافظات-سانا
لم تكن الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، مجرد موعد على الروزنامة الوطنية، بل لحظة استعادت فيها البلاد نبضها الأول، ذلك اليوم الذي خرج فيه السوريون إلى الشوارع، حاملين أصواتهم وحدها في مواجهة آلة القمع، مؤمنين بأن الحرية ليست شعاراً، بل حقّاً يُنتزع.
في الوقت الذي تتزين الساحات باللافتات والشموع والقصائد، عاد السوريون إلى تلك اللحظة الفارقة التي غيّرت وجه التاريخ، وفتحت الطريق نحو النصر والتحرير في الثامن من كانون الأول 2024، مؤكدين أن الثورة ليست حدثاً مضى، بل روحاً لا تزال تنبض في كل بيت وذاكرة ووجدان.
التوثيق الحقوقي… ذاكرة مقاومة للنسيان
على امتداد أكثر من عقد، بقيت المجازر التي ارتكبها النظام البائد شاهداً على وحشية الحرب، فيما برز التوثيق الحقوقي، كأداة مركزية في مواجهة النسيان والإفلات من العقاب.
وبيّن مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني في تصريح لـ سانا، أن السوريين خرجوا قبل خمسة عشر عاماً حاملين مطالب بسيطة وعادلة، دون سلاح، بل بأصواتهم وحدها في مواجهة عقود من القمع، وقال: “الثورة لم تكن لإسقاط شخص، بل لتأسيس دولة جديدة تقوم على العدالة والمساءلة”.
وشدد عبد الغني على أن مسار بناء هذه الدولة يمر عبر العدالة، فلا مصالحة حقيقية من دون مساءلة، ولا مستقبل آمناً، من دون جبر ضرر فعلي للضحايا وذويهم، وهي مبادئ تؤكدها التجارب المقارنة ويكرّسها القانون الدولي.
ذكرى الثورة تجديد للعهد وتطلعات نحو الاستقرار
وأكدت نقابة المهندسين السوريين من جانبها في تصريح مماثل، أن الذكرى الخامسة عشرة للثورة تمثل محطة وطنية تستعيد فيها البلاد مسيرة التضحيات والصمود، مجددة التزامها بدورها في إعادة الإعمار وتحقيق تنمية شاملة، تلبي تطلعات السوريين نحو الاستقرار والازدهار، فيما أوضحت نقابة الاقتصاديين السوريين أن الثورة شكّلت نقطة تحول نحو بناء وطن قائم على العدالة والإصلاح.
شهادات من قلب الحدث… الثورة كما عاشها أبناؤها
قال الحقوقي والناشط السياسي سامر ملوحي: إنه يعتبر نفسه أحد أفراد الثورة، موضحاً أنه شارك في أولى المظاهرات عام 2011 من جامع المنصور، وأن تلك اللحظة شكّلت نقطة تحول في حياته، ورسخت لديه ضرورة الاستمرار، في المطالبة بالحقوق والحريات.
بينما أشار مدير العلاقات الإعلامية في مديرية الإعلام بمحافظة طرطوس حذيفة نجار، إلى أهمية الدور الإعلامي في توثيق أحداث الثورة، ونقل صوت الناس، مؤكداً أن الإعلام كان ولا يزال شريكاً أساسياً في إبراز تطلعات السوريين، وأن المرحلة الحالية تتطلب خطاباً مسؤولاً يعزز الحوار والتفاهم.
حفظ ذاكرة الثورة السورية
شهدت محافظة حلب فعاليات أضاءت على أهمية التوثيق الدرامي ودور المنشدين في حفظ ذاكرة الثورة السورية ونقل تفاصيلها الإنسانية والوطنية، مع التركيز على الدور الذي أدّاه المنشد أنس قضيماتي في ترجمة شعارات الحرية التي أطلقها المتظاهرون إلى أعمال إنشادية مؤثرة.
كما تناولت الفعاليات الوثيقة الدرامية التي قدّمها “يامن نور”، والتي جسّدت بأسلوب فني مؤثر معاناة الأهالي خلال سنوات الثورة، مسلّطة الضوء على تفاصيل الألم والصمود في آن معاً؛ لتبقى شاهداً على مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد، مؤكدين دور الفن كوسيلة فاعلة في نقل الحقيقة وحفظها للأجيال القادمة؛ بما يسهم في بناء وعي مستند إلى التجربة الحية والذاكرة الموثّقة.
استعادة روح الثورة في الحولة
ونظمت منطقة الحولة بريف حمص بهذه المناسبة، أمسية شعرية وإنشادية بحضور الأهالي.
فيما أوضح نائب مدير المنطقة عبد الله الصالح مشعل، أن الفعالية هدفت إلى تسليط الضوء على مسيرة الثورة واستذكار تضحيات الشهداء.
وبيّن الشاعر صلاح الخضر، مدير المركز الثقافي في تلدو، وأمين سر اتحاد الكتاب العرب بفرع حمص، أن تضحيات الشهداء ستبقى مصدر إلهام لمواصلة العمل والبناء.
خمسة عشر عاماً مرّت، ولا تزال الثورة السورية حاضرة في الذاكرة، في القصائد، في الساحات، وفي شهادات من عاشوها لحظة بلحظة، ومع كل ذكرى، يتجدد العهد بأن تبقى قيم الحرية والكرامة والعدالة هي البوصلة، التي تقود السوريين نحو مستقبل يليق بتضحياتهم.