دمشق-سانا
تشهد صناعة الطباعة في سوريا تراجعاً اقتصادياً ملحوظاً نتيجة التحولات التكنولوجية المتسارعة، وتغير أنماط الطلب في السوق المحلية، ما أدى إلى انخفاض حجم الإنتاج، وتحول نشاط المطابع نحو خدمات بديلة، في محاولة للحفاظ على الاستمرارية، والتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية الراهنة.
معدات حديثة
وأوضح صاحب إحدى المطابع في دمشق، إياد الخوام، في تصريح لوكالة سانا، أن المطابع التقليدية التي بقيت لعقود طويلة تخدم القطاعات التعليمية والثقافية والصناعية والتجارية في سوريا، تراجع عملها في السنوات الأخيرة، بل أصبح محدوداً نتيجة التطور التكنولوجي الذي دخل البلاد.

وبيّن الخوام أن الطباعة الرقمية تستخدم للكميات الطباعية القليلة، وبكلفة أعلى نسبياً، في حين تعتمد تقنية الأوفست للكميات الكبيرة بأسعار أقل، لافتاً إلى أن الألوان في الطباعة الرقمية تكون أقرب للتصميم الأصلي، بينما تتطلب الأوفست خبرات متقدمة لضبط الألوان بدقة باستخدام شاشات وبرامج متخصصة، بما يضمن جودة عالية تلبي متطلبات السوق المحلية وتواكب المعايير العالمية.
تأثر بالتحول الرقمي
وأشار الخوام إلى أن قطاع الطباعة تأثر بشكل كبير بالتحول الرقمي، حيث أدى الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية إلى تراجع الطلب على المطبوعات الورقية، ولا سيما الكتب والصحف التي كانت تشكل ركائز أساسية للصناعة.

وبيّن الخوام أن اعتماد المؤسسات التعليمية على التطبيقات والمنصات الإلكترونية والفيديوهات التعليمية قلّص الحاجة إلى المواد المطبوعة، إلى جانب الانتشار المتزايد للكتب الإلكترونية، وسهولة الوصول إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية والحواسيب.
تحول في عمل الطباعة
من جهته، أوضح صاحب مطبعة أخرى، عبيد صايمة، أن المطابع شهدت تحولاً في طبيعة عملها، واتجهت بشكل متزايد نحو خدمات النسخ والتصميم والطباعة الإعلانية والدعائية، بدلاً من الطباعة المرتبطة بالقطاعين التعليمي والثقافي، مشيراً إلى أن الطلب أصبح في كثير من الأحيان محصوراً بطباعة مشاريع التخرج وبعض الأعمال المحدودة.

وأضاف صايمة: إن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أسهم في تسريع التحول الرقمي، ما فرض تحديات إضافية على استدامة الطباعة الورقية، مؤكداً أن مستقبل القطاع بات مرتبطاً بقدرة المطابع على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، وتنويع خدماتها بما يتماشى مع متطلبات السوق الحديثة.
المحافظة على جودة الإنتاج
وأكد صايمة أهمية الالتزام بالإجراءات الفنية للحفاظ على جودة الإنتاج وكفاءة التشغيل، ولا سيما اختيار الورق المناسب لكل نوع من أنواع الطباعة، مثل ورق البطال للمراسلات التجارية، والغلاسيه للبروشورات والفلايرات، والبريستول للتغليف وللعلب الكرتونية الخفيفة، والمقشّش للكروت الشخصية والشهادات.
قطاع الطباعة يشهد أريحية
بدورها أكدت رئيسة لجنة المطابع في غرفة تجارة دمشق ريما العمري في تصريح لـ سانا، أن قطاع الطباعة يشهد حالياً تسهيلات أكبر مقارنة بالسنوات السابقة، مع زيادة في حجم الطلبات وتراجع التدخلات التي كانت تعيق تنفيذ بعض الأعمال، مبينة أن هذا التحسن لا يقتصر على قطاع الطباعة بل يشمل مختلف المهن، مع الحاجة إلى الصبر وإعادة ترتيب الواقع الاقتصادي تدريجياً.

وطالبت العمري بضرورة تحقيق قسمة عادلة في توزيع المطبوعات الرسمية بين المطابع، ولا سيما الكتب المدرسية والمطبوعات التابعة للوزارات والمؤسسات العامة، مؤكدة أن هذه الأعمال كانت سابقاً محصورة بلجان محددة، في حين تسعى حالياً، بصفتها ممثلة لغرفة الطباعة، إلى ضمان حقوق جميع المطابع دون استثناء.
المطابع في سوريا تاريخياً
وفي قراءة تاريخية عن الطباعة في سوريا، أوضح الباحث التاريخي محمد فياض الفياض لـ سانا أن نشأة الطباعة في البلاد تعود إلى بدايات القرن الثامن عشر، حيث كانت مدينة حلب من أوائل المدن العربية التي شهدت ظهور المطابع عام 1704م، ما شكل منطلقاً مبكراً لحركة النشر في المنطقة.
ووفق الفياض، تعزز الدور الطباعي لحلب مع ظهور مطابع حجرية وصحف لاحقاً، قبل أن تنتقل التجربة إلى دمشق التي شهدت تأسيس مطابع أسهمت في نشر الصحف والكتب، وإحداث نقلة ثقافية وفكرية مهمة، لتتحول الطباعة مع مطلع القرن العشرين إلى رافد أساسي للنهضة الثقافية السورية.