دمشق-سانا
مع دخول سوريا مرحلة البناء والتعافي، تبرز الحاجة إلى تفعيل دور المهندس السوري بشكل أكثر تنظيماً وتأثيراً، عبر تعزيز الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والجهات التنفيذية، وتوفير بيئة تشريعية ومهنية داعمة له.
ولا بدّ أن يترافق ذلك بتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع تعتمد على الكفاءات الوطنية وتستفيد من الموارد المحلية، ما يجعل تمكين المهندس السوري ليس خياراً، بل ضرورة وطنية لضمان إعادة إعمار متوازنة، تواكب التطور العلمي وتحافظ على الكفاءات المحلية.
إعادة الاعتبار لمفهوم الكفاءة الهندسية
يرى الأكاديميون والمختصون بهذا الشأن أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة الاعتبار لمفهوم الكفاءة الهندسية في ظل ما تعرض له القطاع العمراني من دمار، وهو ما أكدت عليه نقابة المهندسين السوريين خلال ندوة علمية أقامتها اليوم بالتعاون مع كليات الهندسة بمختلف اختصاصاتها، تحت عنوان “بناء قدرة وكفاءة المهندس السوري ودوره في العمران والطاقة”.
التحدي ليس بالإعمار بل بالإبداع والتطوير

عميد كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق الدكتور محمد الشبلاق أكد خلال تصريحه لسانا، أن إعادة البناء في سوريا يجب أن تقوم على أسس حديثة في التصميم والدراسة والإدارة، مع إدخال تقنيات جديدة تعتمد الطاقة النظيفة، ما يسهم في تحسين نوعية الأبنية والمنشآت، وزيادة جمالها.
وأشار الشبلاق إلى أن التحدي المطروح اليوم لا يقتصر على إعادة الإعمار، بل يتجاوز ذلك إلى مرحلة إبداع وتطوير في مختلف المجالات الهندسية، مبيناً أن الجامعات السورية، وفي مقدمتها جامعة دمشق، تعمل على إعداد بحوث ودراسات علمية تطبيقية تهدف إلى تحويل الأفكار النظرية إلى مشاريع هندسية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، بالتشارك بين المؤسسات الأكاديمية والجهات التنفيذية في هذه المرحلة.
الشبلاق، لفت إلى وجود ورشات عمل دائمة، وتنسيق مستمر، بين الوزارات والجهات المعنية، تغطي مختلف الاختصاصات المدنية والميكانيكية والكهربائية، وصولاً إلى السدود والطاقة، استعداداً لمرحلة إعادة الإعمار الشاملة، معتبراً أن همة الشباب والمهندسين إلى جانب هذه الندوات العلمية تشكل ركيزة أساسية لتحقيق انطلاقة نوعية في مسار إعادة البناء والتنمية.
امتلاك خبرات بحرفية عالية

أمين سر نقابة المهندسين السوريين رصين عصمت، أوضح في تصريح لسانا، أن المهندس السوري يمتلك خبرات واسعة، والنقابة تسعى إلى الارتقاء بهذه الخبرات وتطويرها، بما يضمن وصول المهندس إلى مستوى عالٍ من المهنية والاحتراف، وأن يكون قادراً على المنافسة إقليمياً ودولياً، بل والتفوق في بعض المجالات، كون عملية إعادة الإعمار مسؤولية جماعية وتحتاج لمشاركة الجميع.
ووفق عصمت، تعمل نقابة المهندسين، على خطوات عملية على أرض الواقع، من خلال تنفيذ برامج تدريب وتأهيل مستمرة، وإصدار الكودات الهندسية والأدلة الاسترشادية، التي تمكّن المهندس من أداء دوره بكفاءة عالية، وتسهم في النهوض بالواقع العمراني في سوريا.
إصدار تشريعات تنظم عملية تقييم الأضرار

عضو الهيئة التدريسية في كلية الهندسة المدنية بجامعة دمشق محمد سمارة، اعتبر أن المرحلة الحالية تتطلب تشكيل فرق عمل هندسية متخصصة، للكشف على المنشآت المتضررة والبنى التحتية، وتقييم حالتها بشكل علمي ودقيق، لتحديد ما هو قابل للإصلاح وما يستوجب الإزالة، موضحاً بالوقت نفسه، أن التعامل مع كميات الركام الناتجة عن الأبنية المتضررة يجب أن يتم وفق أسس فنية حديثة، من خلال إعادة تدويرها والاستفادة منها في تطبيقات إنشائية غير رئيسية، مثل تصنيع البلوك، والأرصفة، وخلطات الطرق، بما يسهم في تقليل الهدر وخفض التكاليف ودعم الاستدامة في مشاريع إعادة الإعمار.
وأكد سمارة أن المهندسين السوريين أثبتوا كفاءتهم في مختلف دول العالم، ويعمل العديد منهم في شركات عالمية مرموقة، ما يتيح فرصة مهمة لنقل الخبرات والتجارب الدولية في مجال إعادة الإعمار، ولا سيما أن دولاً عديدة خاضت تجارب مشابهة بعد الحروب الكبرى ونجحت في إعادة بناء مدنها وبناها التحتية، داعياً إلى ضرورة إصدار تشريعات واضحة تنظم عملية تقييم الأضرار في الأبنية القائمة، ولا سيما الأبنية العامة والحكومية والمدارس، وتشكيل لجان فنية مختصة لوضع المخططات اللازمة لإعادة تأهيلها أو إعادة بنائها وفق أسس علمية مدروسة.
المهندس السوري ركيزة أساسية في مرحلة البناء

رئيس لجنة الاستثمار في غرفة تجارة دمشق الدكتور محمد مروان أورفه لي، أكد في تصريح مماثل، أن إعادة الإعمار في سوريا تتطلب تعزيز ثقافة التعاون والتكامل بين جميع الأطراف المعنية، والمهندس السوري يشكل إحدى الركائز الأساسية في هذه العملية، ما يتطلب تطوير خبراته العلمية والاقتصادية، لتعزيز فرص التعاون بين القطاعات المختلفة، وتحقيق نهضة عمرانية واقتصادية مستدامة، لافتاً إلى أنه كلما ارتفع مستوى المعرفة والخبرة لدى المهندس انعكس ذلك إيجاباً على جودة مشاريع الإعمار وكفاءتها.
وذكر أورفه لي، أن غرفة تجارة دمشق، تسعى من خلال لجانها المختصة، إلى تفعيل دور القطاع الخاص في مرحلة إعادة الإعمار، وتعزيز الشراكة مع المهندسين والجهات المعنية، بما يسهم في بناء بيئة عمرانية حديثة ومستدامة.
يُذكر أن ندوة “بناء قدرة وكفاءة المهندس السوري ودوره في العمران والطاقة”، ركزت في مناقشاتها على مجموعة محاور منها؛ دور المهندس السوري في إعادة الإعمار وبناء الاقتصاد، وكفاءة الأبنية والعزل الحراري وترشيد الطاقة، والتحول الرقمي والحلول الهندسية الذكية، ومقاومة الزلازل ومعالجة العيوب الإنشائية، وأنظمة التدفئة والتكييف والبصمة الكربونية.



