دمشق-سانا
لم يكن كمال العبد الله يتخيّل أن الغياب الذي اعتاده في طفولته سيكبر معه حتى يتحوّل إلى جرح لا يندمل.. فغياب والده محمد تكرر بسبب الاعتقالات المتواصلة بسجون النظام البائد قبل الثورة السورية، ورغم ذلك لم يدرك الطفل آنذاك معنى أن يكون الإنسان “معتقلاً” إلى أن وجد نفسه في التجربة ذاتها بعد سنوات.
هناك في أقبية الاعتقال بسجون النظام البائد، وتحديداً عام 2018 التقى الابن بوالده صدفةً داخل سجن “فرع فلسطين” بدمشق، لقاء خاطفاً جمعهما خلف الأبواب الحديدية قبل أن يفرّقهما المصير مرة أخرى، تاركاً العائلة في رحلة بحث لا تنتهي عن الحقيقة، وعن قبرٍ يحمل اسماً غاب قسراً.
يقول كمال: “اعتدت على غياب والدي المتكرر، الذي كان يمتد أحياناً لأكثر من شهر، بسبب كتابته، منشورات أو انتقاداته، أو حديثه في مكان عمله، كلام ينتقد الجرائم في عهد نظام الأسد، إلى أن تم اعتقاله لمشاركته في الثورة السورية وتحديداً في عام 2017، وكانت هذه المرة الأخيرة التي غادر بيتنا دون عودة”.
يسترجع كمال ذو الـ 34 عاماً، ابن الأسرة الفلسطينية السورية تفاصيل الاعتقال الأخير لوالده، موضحاً أن والده شارك بالثورة السورية منذ بدايتها بوصفها خيار الشعب، وبقي في بلدة خان الشيح في ريف دمشق إلى أن دخلتها قوات النظام البائد، وبدأ ما سُمّي بـ“التسويات”، والتهجير القسري نحو إدلب، وحينها رفض والدي التهجير وفضل البقاء للاعتناء بوالدته المسنة وأخته المريضة.
وجود ورقة “التسوية” يقول كمال: “لا يعني زوال الخطر، فالنظام المجرم يتعمد ملاحقة كل من يقف ضده بشكل مستمر” … وبعد عدة أشهر اعتُقل والدي على حاجز تابع لفرع سعسع عند عودته مساءً إلى المنزل، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره وبدأت رحلة البحث عنه دون جدوى.
فرع فلسطين… لقاء الابن بوالده للمرة الأخيرة
ويتابع كمال شريط الذكريات المؤلمة… في آذار 2018، كنت في طريقي من اللاذقية، حيث كنت أدرس في الجامعة إلى مدينة حماة لزيارة صديق، أوقفتني سيارتان عند مدخل الكراج، ونزل منهما عناصر وقاموا باعتقالي إلى مفرزة الأمن العسكري، بتهمة محاولة التوجه إلى المناطق المحررة في الشمال السوري، وبعد 12 يوماً في السجن الانفرادي، تم نقلي إلى سجن “فرع فلسطين” بدمشق.
وأوضح كمال أنه خضع في السجن للإجراءات المعتادة من تصوير وتفتيش وكتابة رقم على اليد، قبل اقتياده إلى الزنزانة وهو مكبل بالجنازير، مبيناً أنه عند إغلاق الباب واستدارة المعتقلين بعد خروج السجان، صُعق عندما رأى وجه والده محمد، جلسا لدقائق لم تكن كافية ليجيب كمال والده عن سبب اعتقاله وعن أحوال أسرته، وغير ذلك.
بعد دقائق نودي على كمال وخرج من المهجع، سأله ضابط: “هل تعرف أين والدك؟”، فأجاب: “مفقود منذ 2017”… يقول كمال: “لم أرغب بأخبار هؤلاء القتلة أني رأيت والدي بالزنزانة، أملاً بأن أبقى معه فيها إلا أنني نقلت إلى أخرى ملاصقة لزنزانة والدي وأصبح الجدار الفاصل بيننا صلة وصل صامتة”.
التعذيب على مسمع الأب… والابن يخرج وحيداً
بين كمال أنه بعد بقائه شهرين بفرع فلسطين، استُدعي للتحقيق لأول مرة، وقرر الاعتراف بتهمة السفر بطريقة غير شرعية، وأخبر من حقق معه عن رغبته في الهجرة إلى أوروبا وبناء مستقبله، لافتاً إلى أنه في إحدى الليالي، قرابة الثانية فجراً، استُدعي مجدداً، وهذه المرة كان التحقيق متعلقاً بوالده، طلب منه المحقق الاعتراف بأن والده “إرهابي مسلح”، وهو ما نفاه.
وأوضح كمال أنه في إحدى جلسات التحقيق، عُصبت عيناه وكُبلت يداه وأُدخل غرفة تضم ستة أشخاص “رأى أرجلهم من تحت عصبة العينين” ولم يساوره أي شك بأن أحدهم والده، وبعد إصراره على أقواله، تعرّض لضرب مبرح وأغمي عليه وسقط أرضاً، مشيراً إلى أنهم لم يريدوا قتله، بل استخدموه كورقة ضغط ليعترف بأن والده إرهابي مسلح كما كان يريد المحقق.
بعد 90 يوماً صدر قرار بإخلاء سبيل كمال… وعاد والتقى والدته بمشاعر متناقضة، على حد تعبيره، فرغم فرحها بخروجه إلا أن وجود والده بالسجن وعدم السماح بالوصول إليه أصبح كابوساً لدى العائلة، التي بدأت رحلت بحث جديدة وتلقت معلومات متضاربة عن مكانه منها أنه نقل من فرع فلسطين إلى سجن القابون ثم صيدنايا وأماكن أخرى لكن دون وجود إثبات.
وبحرقة واضحة بين الأحرف يتابع الشاب كمال فصول حكايته… “لاحقاً، استخرجت بياناً عائلياً، وكانت الصدمة عندما وجدت إلى جانب اسم والدي كلمة متوفي”، وعند ذهاب والدتي إلى القضاء العسكري لتسأل عن الأمر، قيل لها “زوجك إرهابي، لا اسم له.. ولو كان حياً لأعدمناه”، واكتشفنا لاحقاً، يوضح كمال، أن حكماً ميدانياً صدر بحق والدي، وأن حجزاً فُرض على أمواله، من دون وجود ملف أو جثمان أو قبر.
موت بلا ملف… وفقد بلا قبر
مرت السنوات على غياب الأب، وجاء يوم التحرير وانتصار الثورة السورية، وتتجدد الآمال لدى كمال وعائلته الذين بحثوا في القوائم وبين آلاف الأسماء، وراقب كمال أسماء الخارجين من سجون النظام البائد، لكنه لم يجد اسم والده.. خرج المعتقلون، وبقي والده مفقوداً.
“نشأت على نمط حياة متقطع بين حضور والدي وغيابه، لكنني لم أتخيّل أن هذا الغياب سيتحوّل إلى حالة دائمة، وإلى قضية بلا ملف، وموت بلا قبر”، ووصف حاله بالقول: “أنا ناجٍ لم ينجُ، لا يزال الجرح مفتوحاً، ولا تزال الذكريات تطاردني”.
بعد التحرير… العمل على ملف المفقودين مستمر
اليوم، يعمل كمال مع رابطة معتقلي ومفقودي صيدنايا، بصفته ناجٍياً من الاعتقال وابن مفقود قسرياً، يقول : “أطالب ضمن مسار العدالة الانتقالية بمعرفة مكان جثمان والدي ليدفن في قبر معروف أستطيع أن أقرأ عنده الفاتحة…فأقسى ما في الفقد ليس الموت بحد ذاته، بل الجهل بمكان وفاة من تحب، وعدم معرفة أين وُوري الثرى”.
يذكر أن الجهات المختصة عثرت خلال الأشهر الماضية على العديد من المقابر الجماعية في عدة مناطق من سوريا، تضم رفات مئات الأشخاص الذين قضوا على يد قوات النظام البائد وحلفائه خلال سنوات الثورة السورية، ويجري العمل على تحديد هويتهم وفق الإجراءات القانونية والطبية.