ريف دمشق-سانا
لم يكن موسم قطاف الزيتون هذا العام مجرد عمل زراعي للفلاحين في سوريا، بل كان تأكيداً مستمراً على التمسك بالأرض وشجرة الزيتون التي تعني الإرث والذاكرة وهوية العمل والإنتاج للكثير من العوائل السورية.
اليوم العالمي للزيتون
في اليوم العالمي لشجرة الزيتون والذي يصادف الـ 26 من شهر تشرين الثاني من كل عام أعرب عدد من الفلاحين في ريف دمشق عن إصرارهم على العمل بزراعة هذه الشجرة المباركة وفق تعبيرهم مؤكدين توظيفهم لكل الجهود من إمكانيات ومستلزمات وموارد مائية للحفاظ على إنتاج هذه المادة التي تعد رافداً جيداً للاقتصاد الوطني.
رجاء دحدوح مزارعة تحدثت في تصريح لسانا عن وراثتها لحب الأرض عن أبيها، وأنها تقف اليوم بين أشجار الزيتون رغم الظروف المناخية الصعبة والمتغيرة وتحديات الجفاف التي طالت الأراضي الزراعية وسببت أضراراً في الأشجار، وكأنها تحرس ذكرى عائلية تمتد لأجيال.
تقول دحدوح: “الزيتون ليس محصولاً، بل طقس إنساني يذكّرني بأيام كانت العائلة كلها تجتمع حول الحقول، يعزز الروابط بين أفراد المجتمع، ويتلاقى فيه الأجيال وتتجدد القيم الإنسانية، ويمثل جزءاً راسخاً من هويتنا الثقافية”.
شجرة تشبه أطفالنا
واجه الفلاحون في سوريا هذا الموسم ظروفاً مناخية صعبة دفعتهم إلى بذل جهود مضاعفة للحفاظ على أشجارهم، حيث يصف المزارع حسن بكري شجرة الزيتون بالكائن الحي الذي يحتاج حناناً دائماً، وشبّه العناية بها بالعناية بطفل صغير، تراقبه، تطمئن عليه، وتسقيه بما توفر من ماء، مشيراً إلى أنه رغم الضيق المعيشي وقلة الموارد، فإنه يصر دائماً على حماية أشجاره، لأنها بالنسبة له أكثر من مصدر رزق، إنها تاريخ كامل وإرث متجذر عبر الأجيال.
ذكريات لا تختفي
وتتذكر فاتنة محمد طقوس قطافها للزيتون منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتفاعل الأطفال مع كبار العائلة خلال موسم القطاف في جمع الثمار المتناثرة والغناء والعمل بفرح، وبروح التعاون التي تكرس التواصل بين الأرض وأهلها، إلا أن هذه اللوحة الريفية بالنسبة لفاتنة خفتت بعض الشيء مع تراجع المحصول، لكنها لم تختف من ذاكرة الناس وفق وصفها.
ضرورة دعم زراعة الموسم المقبل
تشكل شجرة الزيتون وفق صاحب حقل الزيتون ياسر دعبول دعامة اقتصادية واجتماعية في العديد من المناطق الريفية، إذ تعتمد عليها عشرات آلاف الأسر كمصدر رزق يجمع قيم السلام والحياة التي تمثلها هذه الشجرة عالمياً، لكن من الضروري حسب رأيه تقديم الدعم المناسب من أجل الموسم المقبل، لافتاً إلى أن إنتاج الزيتون في موسمه التالي يعتمد على ما يسمى (الطرود) أي طرود الأغصان والفروع بعمر سنة إلى سنتين والتي تعطي موسماً جديداً، ما يعني أن غياب الطرد هذا العام سيؤدي تلقائياً إلى ضعف الإنتاج في العام المقبل.
ويرى ياسر دعبول، صاحب أحد حقول الزيتون، أنه من الضروري تقديم الدعم المناسب من أجل الموسم المقبل، حيث إن غياب النمو الجديد للأغصان هذا العام قد يؤثر على إنتاج الموسم المقبل، ما يجعل الدعم الزراعي ضرورة وليس خياراً، معتبراً شجرة الزيتون دعامة اقتصادية واجتماعية لعشرات آلاف الأسر في الأرياف السورية.
412 ألف طن إنتاج الموسم الحالي
وفق تقديرات مكتب الزيتون في وزارة الزراعة، بلغ إنتاج الزيتون للموسم الحالي نحو 412 ألف طن، ما يمثل تراجعاً بنسبة تتجاوز 45% مقارنة بالموسم السابق، في حين قدرت المديرية إنتاج زيت الزيتون لهذا الموسم بنحو 66 ألف طن، ويعود أسباب تراجع الإنتاج وفق مديرة المكتب عبير جوهر إلى التغيرات المناخية وانخفاض الهطلات المطرية والتي أثّرت بشكل كبير على الموسم الحالي، وخاصة أن 85% من زراعة الزيتون في سوريا بعلية وتعتمد على الأمطار.
يُذكر أن اليوم العالمي لشجرة الزيتون أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” رسمياً في عام 2019 على أن يحتفي العالم في الـ 26 من تشرين الثاني من كل عام بشجرة الزيتون كعنصر مهم ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وبيئياً.