دمشق-سانا
أكد عضو مجلس فرع نقابة المحامين بدمشق محمد سعيد شوربة، أهمية العدالة الانتقالية، بوصفها مساراً وطنياً لمعالجة إرث عقود من حكم النظام البائد وما خلفه من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مشدداً على دورها في كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز المصالحة المجتمعية.

وخلال محاضرة بعنوان “دور الأفراد والمجتمع في تحقيق العدالة الانتقالية” ألقاها أمس الأربعاء، في المركز الثقافي بكفرسوسة، أوضح المحامي شوربة أن العدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية من حيث المفهوم والغاية، إذ تمثل منظومة من الإجراءات الاستثنائية التي تعتمدها الدول الخارجة من النزاعات أو من مراحل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بهدف معالجة إرث الماضي، وإعادة بناء الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار المجتمعي.
وبيّن أن نجاح هذا المسار يتطلب مشاركة فاعلة من المجتمع، لأن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات، وإنما تشمل كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم تكرار الانتهاكات، باعتبارها مسارات متكاملة لا يمكن الفصل بينها.
وأشار إلى أن ضعف الثقافة القانونية والخوف من تقديم الشكاوى من أبرز التحديات التي تواجه تحقيق العدالة الانتقالية، نتيجة فقدان الثقة بالمؤسسات خلال عهد النظام البائد، مؤكداً أهمية نشر الوعي القانوني، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز ثقة المواطنين بمنظومة العدالة.
ولفت المحامي إلى أن كشف الحقيقة يمثل المدخل الأساسي لتحقيق العدالة الانتقالية، على أن يتم وفق أسس مسؤولة تحافظ على السلم الأهلي، وتمنع إثارة الانقسامات أو وقوع انتهاكات جديدة، مشدداً على ضرورة تحقيق المساءلة وفق القانون، وبما يكرس المساواة أمام القضاء وسيادة القانون.
وأكد أهمية إعادة هيكلة المؤسسات، ولا سيما الأمنية والقضائية، باعتبارها ضمانة أساسية لمنع تكرار الانتهاكات، إلى جانب ترسيخ ثقافة احترام حقوق الإنسان، وتعزيز المشاركة المجتمعية في دعم مسارات الإصلاح.
وفيما يتعلق بدور المجتمع المدني، أوضح أنه شريك رئيسي في إنجاح العدالة الانتقالية من خلال تأسيس منظمات تمثل المتضررين، وتقدم لهم الدعم القانوني والاجتماعي، وتسهم في تنظيم جهودهم للمطالبة بحقوقهم، بما يعزز برامج جبر الضرر وإعادة التأهيل.
وأضاف: إن تنظيم المواطنين ضمن جمعيات ومنظمات أهلية يسهم في حصر الأضرار، وإعداد قوائم المتضررين، والمشاركة في تحديد أولويات التعويض وإعادة الإعمار، مؤكداً أن العمل الأهلي المنظم يشكل داعماً لجهود الدولة وليس بديلاً لها.
وفي ختام المحاضرة، شدد المحامي شوربة على أن نجاح العدالة الانتقالية يتطلب تكامل أدوار الدولة والقضاء ومنظمات المجتمع المدني والأفراد، بما يحقق العدالة للضحايا، ويعزز المصالحة المجتمعية، ويرسخ دولة القانون والمؤسسات، ويحول دون تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
وتبرز العدالة الانتقالية اليوم كخيار وطني أساسي لمعالجة إرث الماضي، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، باعتبارها من أهم الآليات القادرة على إدارة مرحلة الانتقال نحو بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون.


