دمشق-سانا
خطت تركيا خطوة نوعية جديدة في مسار توسعها داخل سوق الصناعات الدفاعية، في تطور يعزز موقعها كقوة صناعية صاعدة داخل حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وذلك مع إعلانها توقيع اتفاقية كبرى مع إسبانيا لتصدير طائرات تدريب نفاثة هجومية، إلى جانب نجاحها في إبرام أول صفقة لبيع سفينة حربية لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي والحلف معاً.
اتفاقية مع إسبانيا.. طائرة “حُرجيت” تدخل أساطيل الناتو
أعلنت هيئة الصناعات الدفاعية في الرئاسة التركية أن أنقرة وقعت اتفاقية بقيمة 2.6 مليار يورو مع إسبانيا لتصدير أول دفعة من طائرة التدريب النفاثة الهجومية الخفيفة “حُرجيت”، المطورة من قبل شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية “توساش”.
وأوضح رئيس الهيئة خلوق غورغون أن الصفقة تشمل 30 طائرة، تم اختيارها رسمياً من قبل القوات الجوية والفضائية الإسبانية، على أن تبدأ عمليات التسليم عام 2028، في إطار برنامج تبلغ ميزانيته الإجمالية 2.6 مليار يورو.
واعتبر غورغون أن هذه الخطوة تعكس انتقال تركيا إلى موقع “المصدر الموثوق والمفضل” في مجال الصناعات الدفاعية، ليس فقط إقليمياً، بل داخل منظومة الناتو نفسها.
مؤشرات دولية على صعود الصناعات الدفاعية التركية
وفي سياق متصل، كان معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أشار في تقرير مطلع الشهر الجاري، إلى دخول خمس شركات تركية ضمن قائمة أكبر 100 شركة صناعات دفاعية في العالم من حيث حجم مبيعات الأسلحة والخدمات العسكرية خلال العام الماضي، في مؤشر واضح على تنامي الثقل التركي في هذا القطاع.
زخم إنتاجي وتكنولوجي.. درون انتحارية جديدة إلى الخدمة
وشهدت الصناعات الحربية التركية خلال الأسابيع الأخيرة زخماً لافتاً على مستوى الابتكار والإنتاج، حيث أعلنت شركة “هافلسان” للصناعات الدفاعية، في ال 28 من الشهر الجاري، دخول درون انتحارية جديدة تحمل اسم “صاغان” إلى الخدمة الميدانية.
ووفق ما نقلته وكالة “الأناضول” عن مختصين، تتمتع المسيّرة الجديدة بقدرات عالية في السرعة والمناورة والاستطلاع والمراقبة، عبر كاميرات نهارية وحرارية، إضافة إلى قدرتها على تنفيذ مهام متواصلة لمسافة 20 كيلومتراً باستخدام كابل ألياف ضوئية، دون انقطاع الاتصال مع مركز التحكم.
تسليم سفينة حربية لرومانيا
وتزامن هذا التطور مع إتمام تركيا أول صفقة من نوعها لبيع سفينة حربية إلى دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، في خطوة وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث الحجم والدلالة الاستراتيجية.
وأكدت شركة “أسفات” التابعة لوزارة الدفاع التركية أن السفينة القتالية “تي جي غي أق حصار”، التي اكتمل بناؤها عام 2024 في ترسانة إسطنبول، جرى تسليمها رسمياً إلى القوات البحرية الرومانية، في اتفاق يُنظر إليه على أنه محطة مفصلية في مساعي أنقرة لتعزيز حضورها العسكري والصناعي خارج حدودها.
رمزية داخل الحلف.. ثقة أوروبية بالتكنولوجيا التركية
وحسب بيان “أسفات”، تمثل صفقة السفينة الحربية “نقلة نوعية” في التعاون العسكري بين تركيا ورومانيا، وخصوصاً أنها المرة الأولى التي تنجح فيها أنقرة في تصدير قطعة بحرية متكاملة لدولة أوروبية عضو كامل في الناتو والاتحاد الأوروبي في آن واحد.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس مستوى متقدماً من الثقة الأوروبية بالتكنولوجيا الدفاعية التركية، التي شهدت تطوراً ملحوظاً خلال العقد الماضي.
من الاكتفاء إلى التصدير.. مسار صعود مدروس
وشهدت الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة انتقالاً تدريجياً من مرحلة الاكتفاء النسبي إلى التصدير الواسع النطاق، مدفوعة بتوسع قاعدة الشركات الحكومية والخاصة، والاعتماد المتزايد على التطوير المحلي في مجالات الصناعات البحرية، والمدرعات والأنظمة الإلكترونية والصواريخ.
ويرتبط هذا التطور بعدة عوامل، أبرزها زيادة الاستثمارات الحكومية في التكنولوجيا العسكرية منذ عام 2015، ونقل بعض خطوط الإنتاج إلى شركات شبه خاصة مثل “أسفات” و”بايكار”، إضافة إلى استفادة تركيا من خبراتها العملياتية في الإقليم وبحري المتوسط والأسود، ما أتاح تطوير منظومات قتالية مبنية على تجارب ميدانية واقعية.
انعكاسات إقليمية ودلالات داخل الناتو
ومن شأن صفقات الطائرات مع إسبانيا، وتدشين المسيّرة الجديدة، وتسليم السفينة الحربية “أق حصار” للبحرية الرومانية، أن تعزز الدور التركي في منظومة الأمن الإقليمي، ولا سيما في البحر الأسود، وأن ترفع من مكانة الذراع العسكرية التركية داخل الناتو.
وتشير هذه النجاحات إلى أن أنقرة لم تعد تكتفي بتسويق منتجاتها الدفاعية في الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى، بل باتت تتقدم بثبات نحو قلب أوروبا، في إطار طموحات أوسع لتعزيز نفوذها الصناعي والسياسي داخل الحلف، وفتح الباب أمام عقود جديدة، ولا سيما في المجال البحري والجوي، حيث تواصل الطائرات المسيّرة التركية ترسيخ حضورها العالمي.