دمشق-سانا
“الحياة قصيرة والحياة تمضي.. خطر له أن عبور الحياة تحت الجسر الذي وقف عليه لم يكن مجلبة للفرح بل للخوف، أن الأيام والسنين والشهور ليست قارباً يستقله نحو الكون، بل شيء ينقص منه، هو بالذات”.
من هذا التأمل في الزمن والخوف، يدخل هاني الراهب في رواية “الوباء” إلى مجتمع تتوارث فيه الأجيال الخسارات والخوف، وتتداخل المآسي الفردية مع التحولات الاجتماعية والسياسية، ليصبح الوباء في الرواية أبعد من مرض يصيب الأجساد، وأقرب إلى حالة تطال الأفكار والعلاقات الاجتماعية، وصولاً إلى الاستبداد السياسي.
في زاوية «روايات الحرية» التي تقدمها سانا الثقافية أسبوعياً، نتوقف عند رواية «الوباء» للروائي السوري هاني الراهب، التي ترصد تحولات الحياة الاجتماعية والسياسية في سوريا من خلال قرية صغيرة في ريف اللاذقية، وتتناول أهوال الحرب العالمية الأولى وما خلّفته من نزوح ومجاعة وأمراض، إلى جانب التفاوت الاجتماعي والخضوع للتقاليد وصعود الاستبداد السياسي مع سيطرة حزب البعث على السلطة وإسهامه في تفكيك المجتمع السوري.
من المرض إلى الخوف
تدور أحداث الرواية في قرية الشير، ونجد في بدايتها أن الشيخ عبد الجواد الخياط يضطر وعائلته إلى النزوح في ظروف قاسية، قبل أن يترك طفله الرضيع داوود تحت جسر متهدم لعجزه عن مواصلة الرحلة به، في واحدة من الصور التي تختصر مبكراً حضور الفقد والخوف في عالم الرواية.
لا تنتهي المأساة في الرواية بانتهاء الحرب أو انحسار المرض، إذ تنتقل آثارها بين الأجيال، يموت أبناؤه وأحفاده.. أحمد سليم بعد صراعه مع التقاليد والمرض، وأيوب بعد معاناة نفسية وعقلية، فيما تتوالى الخسارات لتكشف مجتمعاً لا يواجه الأزمات بوصفها أحداثاً عابرة، بل يعيش آثارها في تكوينه الاجتماعي والنفسي.
وهنا يتخذ الوباء معنى أوسع من المرض، فالخوف الذي يسكن الأفراد لا ينشأ من المرض وحده، بقدر ما ينتجه مجتمع تحكمه علاقات غير متكافئة، وتفرض فيه التقاليد والملكية والنفوذ حدوداً ضيقة لاختيارات الإنسان.
الحرية بين التقاليد والملكية
تظهر شخصية مريم خضير في واحدة من أكثر صور الرواية اتصالاً بسؤال الحرية الفردية، فزواجها من الإقطاعي حسن آغا الغفري لا يلغي رغبتها في امتلاك قرارها، فتدخل في علاقات مع بدر جندار وإسماعيل السنديان، وتواجه أحكام مجتمع يراقب اختيارات المرأة ويحاسبها عليها، قبل أن تنتهي حياتها بعد إصابتها بالسل.
وتقدم الرواية هذه الشخصية داخل شبكة من القيود الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، حيث يصبح السؤال عن حرية الفرد مرتبطاً بقدرته على تجاوز المكانة الاجتماعية والعرف ونظرة المجتمع.
ويتجسد الوجه الآخر لهذه القيود في علاقة حسن آغا بالفلاحين، فملكية الأرض تمنحه سلطة اقتصادية ونفوذاً على خيارات الآخرين وحياتهم، لتتداخل التبعية الاقتصادية مع الأعراف الاجتماعية، وتضيق مساحة الحرية أمام الفئات الأقل قدرة على مقاومة هذا النفوذ.
ثلاثة أجيال وتحولات السلطة
ترصد الوباء عبر ثلاثة أجيال تحولات المجتمع السوري في ريف اللاذقية، ولا تكتفي بتسجيل تبدل الظروف السياسية، بل تتابع استمرار أنماط الخضوع للتقاليد وهي تنتقل من المجال الخاص إلى المجال العام.
فالعلاقات التي تبدأ داخل الأسرة والقرية، حيث يفرض الأقوى إرادته على الأضعف، تجد امتدادات لها في علاقة الفلاح بالإقطاعي، ثم في علاقة الفرد بمؤسسات الدولة والسلطة، ومع وصول حزب البعث إلى الحكم وسيطرة العسكر على السلطة، تنتقل الرواية إلى مرحلة جديدة من تاريخ المجتمع، وتطرح أسئلة حول غياب النقد والمساءلة وتراجع مساحة النقاش الحر.
وتشير قراءة الناقد السوري مازن أكثم سليمان، في مقاله “تذكّر هاني الراهب: عروبة تنويرية” المنشور في منصة أنطولوجيا الثقافية، إلى أن الرواية ترصد نحو قرن من التحولات في ريف اللاذقية، وتتناول الخوف واستبداد التقاليد وصعود حزب البعث وسيطرة العسكر، ضمن مشروع الراهب الفكري المرتبط بالحرية والديمقراطية والمواطنة والوعي النقدي.
المعرفة طريقاً إلى الخروج من الخضوع
وفي مقابل هذا الواقع، تطرح الرواية التعليم والمعرفة باعتبارهما احتمالاً للتغيير، يسعى إسماعيل السنديان إلى بناء مدرسة للفلاحين، في محاولة لفتح طريق أمامهم نحو المعرفة وفهم الظروف التي تحكم حياتهم، بينما يحاول بديع خضير تجاوز واقع الذل الفلاحي بالالتحاق بالكلية الجوية، قبل أن تنتهي حياته في حادث سقوط طائرته.
هذه المسارات تكشف عن أهمية المعرفة والوعي في كسر الدائرة التي تجعل الإنسان خاضعاً لواقع لم يختره، ومن هنا يصبح التعليم في الرواية أكثر من خدمة اجتماعية، إذ يرتبط بإمكان امتلاك الفرد قدرة أكبر على فهم موقعه في المجتمع ومساءلة ما يبدو ثابتاً فيه.
صورة للخوف
يمتد معنى عنوان الرواية إلى أشكال أخرى من العدوى الاجتماعية: الجهل، والتسلط، والتفاوت الطبقي، والخضوع للتقاليد الجامدة، ومع انتقال الرواية بين الأجيال، يبدو الخوف أكثر حضوراً من كونه شعوراً فردياً، فهو يتسلل إلى العلاقات ويؤثر في القرارات ويحد من قدرة الإنسان على الاعتراض.
وفي قراءته لتجربة هاني الراهب، يتوقف الروائي خيري الذهبي في مقاله “عن راهب الرواية السورية وشيطانها” والذي نشره موقع ضفة ثالثة، عند الأسئلة التي شغلت مشروعه، ومنها الحرية ومعنى الحياة وموقع المثقف، وما تكشفه أعماله من علاقة مصائر الشخصيات بالمكان والظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بها.
وبذلك يربط الراهب الاستبداد في نهاية الحكاية بوصفه بتاريخ أطول من الخوف والتبعية، فكلما ضاقت قدرة الإنسان على السؤال والنقد والاختيار، اتسعت المساحة التي تستطيع السلطة أن تشغلها في حياته.
الكاتب والرواية في سطور
صدرت «الوباء» في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وفازت بجائزة اتحاد الكتاب العرب، وتقع في نحو 298 صفحة.
أما هاني الراهب فهو من مواليد عام 1939 في قرية مشقيتا بمحافظة اللاذقية، وبرز اسمه في الرواية السورية منذ عمله «المهزومون»، الذي حاز جائزة أدبية في مطلع تجربته الروائية، وانشغل في كتاباته بالتحولات الاجتماعية والسياسية، وعلاقة الفرد بالسلطة، وأثر البنى الاجتماعية في حرية الإنسان.
اتسمت مسيرته الفكرية بمواقف نقدية من الاستبداد، وانحياز إلى الحرية والتنوير واستقلالية المثقف، ما عرّضه للتضييق الأكاديمي والوظيفي، إذ فُصل من عمله أستاذاً للأدب الإنكليزي في جامعة دمشق، وطُرد من اتحاد الكتاب العرب، وظل متمسكاً بمواقفه النقدية حتى وفاته في دمشق عام 2000، تاركاً تجربة روائية وفكرية انشغلت بمساءلة الواقع الاجتماعي والسياسي والدفاع عن حرية الإنسان.