دمشق-سانا
تتعاقب دقات المهباج بإيقاع خشبي منتظم، فيما تنتشر رائحة البن المحمص الممزوج بالهال، وتستقر الدلال قرب النار في انتظار الضيوف، في مشهد قديم ما زال يتكرر في المجالس وبيوت الشعر، حاملاً طقساً اجتماعياً يبدأ بتحضير القهوة وبشربها، ليختزن معاني الترحيب والاحترام والأمان والوفاء.
وتواصل القهوة العربية حضورها بوصفها أحد أبرز رموز الهوية الثقافية العربية، بعد إدراجها عام 2015 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية في منظمة اليونسكو، لما تمثله من منظومة اجتماعية تتجاوز كونها مشروباً تقليدياً، ويحتل المهباج مكانة خاصة في هذه المنظومة، باعتباره أداة لإعداد القهوة ورمزاً للأصالة والضيافة في البيئات البدوية.
من المحماس إلى دلة القهوة
أوضح الباحث والمهتم بالشؤون البدوية فواز صنديد، في تصريح لـ سانا، أن إعداد القهوة العربية يمر بمراحل دقيقة توارثتها الأجيال، تبدأ بتنقية حبوب البن، ثم تحميصها في المحماس حتى تكتسب لونها ورائحتها المميزة.
وبعد أن تبرد الحبوب، تطحن في المهباج المصنوع يدوياً من الخشب الصلب، ويضاف إليها الهال وفق العادة المتبعة في كل منطقة.
وتستكمل عملية التحضير باستخدام مجموعة من الدلال، لكل واحدة منها وظيفة محددة؛ فتخصص دلة الخمرة لغلي الماء، وتستخدم دلة التلقيمة لإضافة البن وتركه يغلي، ثم تصفى القهوة في دلة المزلة التي تقدم منها إلى الضيوف.
ويعكس تعدد الأدوات والمراحل عناية أهل القهوة بجودة إعدادها، إذ تبدأ الضيافة قبل وصول الفنجان إلى يد الضيف، من نظافة الأدوات وحسن التحميص والطحن إلى ضبط مقدار البن والهال ووقت الغلي.
طقس اجتماعي تتوارثه الأجيال
توضح منظمة اليونسكو في الملف الخاص بالقهوة العربية أن إعدادها وتقديمها واستهلاكها تمثل تعبيراً عن الضيافة والكرم وآداب الاجتماع، وأن هذه الممارسة تنتقل داخل الأسر والمجتمعات من جيل إلى آخر، كما يتعلم الصغار اختيار حبوب البن وطرائق التحضير ومراسم التقديم بمرافقة الكبار، وهو ما يجعل القهوة معرفة اجتماعية حية، لا وصفة ثابتة أو أداة تراثية معروضة للزينة.
آداب الفنجان ورسائل الضيافة
لا ينفصل إعداد القهوة عن طريقة تقديمها، إذ يتولى المقهوي أو راعي الدلة المرور على الضيوف وفق قواعد متوارثة، فيقف على مسافة مناسبة، ويحمل الدلة والفناجين بعناية، ولا يتجاوز أحد الجالسين إلا بعد اعتذاره عن الشرب.
وتصب القهوة بكمية لا تتجاوز عادة نصف الفنجان، بما يتيح للضيف تناولها وهي ساخنة، ويمنح المضيف فرصة تكرار الضيافة.
ويلتزم الضيف بدوره بآداب المجلس، فيتناول الفنجان بيده اليمنى، ويتجنب وضعه على الأرض أو الطاولة إلا عند الضرورة، كما يمتنع عن النفخ في القهوة أو إصدار صوت أثناء احتسائها، تعبيراً عن احترام المجلس وصاحب الدار.
وأشار صنديد إلى أن المضيف، أو المعزّب، يتذوق أول فنجان بنفسه، ويعرف في بعض البيئات البدوية باسم فنجان الهيف، في دلالة على مسؤوليته عن جودة القهوة وسلامتها وطمأنة ضيوفه.
ويليه فنجان الضيف، وهو أول ما يقدم للقادم ويحمل معنى الترحيب والأمان، أما فنجان الكيف فيرتبط بالاستمتاع بطعم القهوة وصفاء المجلس، بينما يرمز فنجان السيف إلى العهد والوفاء والاستعداد للوقوف إلى جانب المضيف في الشدائد، ولا يشربه وفق العرف إلا المقربون أو من تجمعهم بصاحب الدار روابط وثيقة.
وتختلف بعض التسميات والتفاصيل من منطقة إلى أخرى، لكن المعنى المشترك يبقى ثابتاً: الفنجان رسالة اجتماعية قبل أن يكون وعاء للقهوة.
المهباج صوت يدعو العابرين
لا تقتصر وظيفة المهباج على طحن البن والهال، إذ ارتبط صوته في الذاكرة البدوية بالدعوة إلى الضيافة، وكانت دقاته الصباحية، المعروفة باسم العزّام، تصل إلى الجيران والمارة لتعلن أن نار القهوة قد أوقدت وأن المجلس مفتوح للقادمين.
ويحتاج الدق على المهباج إلى مهارة في التحكم بقوة الضربات وتوقيتها، حيث يصنع الدقاق إيقاعات منتظمة تتقاطع فيها وظيفة الطحن مع الحس الموسيقي، فتتحول الأداة الخشبية إلى ما يشبه آلة إيقاعية ترافق تحضير القهوة.
وكان سماع هذه الدقات يمنح المسافر والعابر شعوراً بالطمأنينة، إذ يعرف أن في المكان بيتاً يستقبل الضيف، ويوفر له القهوة والمجلس والأمان.
ورغم انتشار المطاحن الكهربائية وآلات إعداد القهوة الحديثة، ما زال المهباج حاضراً في عدد من المجالس وبيوت الشعر والفعاليات التراثية، لا بوصفه أداة قديمة معروضة للزينة، وإنما علامة حية على استمرار العادات التي نشأت حوله.
إرث حي بين الماضي والحاضر
يرى صنديد أن صون هذا الموروث يتطلب أكثر من الاحتفاظ بالأدوات القديمة، من خلال تعريف الأجيال الجديدة بمراحل إعداد القهوة وآداب تقديمها، وشرح المعاني الاجتماعية المرتبطة بالدلال والفناجين ودقات المهباج.ودعا إلى تنظيم دورات وبرامج تدريبية وفعاليات تراثية تتيح للشباب ممارسة هذه العادات والتعرف إلى صناعة المهباج واستخدامه، بما يساعد على انتقال المعرفة من أصحاب الخبرة إلى الأجيال الجديدة.
وبين سرعة آلات القهوة الحديثة وبطء الطقوس القديمة، يحتفظ الفنجان العربي بمكانته في المجالس، حيث تمتزج رائحة البن والهال بصوت المهباج ولمعان الدلال، لتروي كل ضيافة حكاية متجددة عن الكرم والانتماء والذاكرة الاجتماعية.