دمشق-سانا
ضمن فعاليات اليوم الثالث من معرض دمشق الدولي للكتاب، أقيمت مساء اليوم محاضرة بعنوان “الذاكرة والهوية الوطنية” ألقاها الباحث السياسي والأكاديمي الدكتور عبد الرحمن الحاج، برعاية الأمانة العامة للشؤون السياسية، وسط حضور لافت من المهتمين بالشأن الفكري والثقافي.
الذاكرة الجماعية وتكوين الهوية الوطنية

استهلّ الدكتور الحاج محاضرته بتوضيح مفهوم الذاكرة بأنها تصور ذهني للأحداث التي مضت، مبيناً أن الذاكرة الجماعية تمثل مجموع ذواكر الأفراد في المجتمعات المحلية، وتقوم من جهة على تناسي الماضي، ومن جهة أخرى على بناء المستقبل.
وفي حديثه عن السردية الوطنية، أوضح أنها رواية تُستمد من الماضي لتفسير الحاضر، وتُعد بطبيعتها رواية سياسية تمنح الشرعية للأحداث الراهنة، وتمثل العنصر الأساس في تشكيل الذاكرة الجماعية.
العلاقة بين الذاكرة والهوية الوطنية

بيّن الحاج أن الذاكرة تشكل أحد مكونات الهوية الوطنية المشتركة، بينما الهوية بمفهومها الأوسع تجيب عن سؤال “من نحن؟” وتميز الشعب عن غيره، وتشمل رؤية الجماعة لمصالحها المشتركة.
وشدد على أن الذاكرة الوطنية لا تُبنى على كثرة التفاصيل، بل على سردية بسيطة ومدروسة تضمن استمرارها واتساقها مع تطور المجتمع.
الذاكرة أداة للتوحيد

حذّر الحاج من تحول الذاكرة إلى أداة للقمع عندما تُستخدم لتبرير الألم والمعاناة، داعياً إلى أن تكون الذاكرة الوطنية مظلّة جامعة لكل أبناء المجتمع، تسهم في ترميم العلاقات الوطنية بعد الأزمات.
كما تطرّق إلى مرتكزات الذاكرة الوطنية، التي يجب أن تكون عادلة ومستندة إلى مبادئ العدالة الانتقالية، ما يجعلها أكثر دواماً وقدرة على بناء المصالحة المجتمعية.

وأوضح الحاج أن الذاكرة ينبغي أن تكون مستوعِبة لجميع التجارب الفردية والجماعية على اختلافها، وأن تتصف بالواقعية والعقلانية بعيداً عن النزعة الأسطورية التي تعيق تطورها وتُضعف شرعيتها السياسية.
وفي معرض حديثه عن آليات بناء الذاكرة الوطنية، أشار الحاج إلى أنها تقوم على سردية شاملة لجميع السوريين، تُدعَّم بإنشاء أرشيف وطني وتخصيص قانون لتنظيمه وتوثيقه والاهتمام بالتاريخ الشفوي، أي روايات الأشخاص الذين عايشوا الأحداث، وإقامة متاحف وطنية تجسد بصرياً المراحل السابقة، وإنشاء نُصُب تذكارية للضحايا في مناطقهم تخليداً لذكراهم.
وأكد أن المؤسسات الحكومية إلى جانب النُخَب العلمية والثقافية هي الجهات الرئيسية التي تشارك في تشكيل هذه الذاكرة وتعزيز حضورها في الوعي العام.
نماذج وتجارب عالمية
في ختام محاضرته، استعرض الحاج عدداً من تجارب الدول التي خرجت من الحروب وخاضت مراحل انتقال سياسي، مشيداً خصوصاً بتجربة جنوب إفريقيا التي نجحت، بفضل المحاكمات العلنية، بكشف الحقائق وتحقيق المصالحة الوطنية.
يُشار إلى أن الدكتور عبد الرحمن الحاج أكاديمي وأستاذ جامعي سوري، له مشاركات رائدة في مشاريع توثيقية لأرشفة التاريخ السوري، وأطلق عام 2015 مشروع جامعة حلب في المناطق المحررة، ونشر عدة أبحاث أكاديمية في مجلات علمية محكّمة.