دمشق-سانا
في ظل ما تعرض له السوريون من ضغوط وصدمات نفسية عميقة على مدى 14 عاماً، تبرز الصحة النفسية اليوم كأحد المرتكزات الأساسية لإعادة بناء الإنسان والمجتمع، وبوصفها ضرورة لا تقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي.
ويؤكد مختصون أن الانتقال بسوريا إلى مرحلة التعافي يتطلب حوكمة فعّالة لقطاع الصحة النفسية، تقوم على التنسيق بين المؤسسات الرسمية، وبناء استراتيجيات تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمع السوري، وتحويل الدعم النفسي من تدخلات إسعافية مؤقتة إلى منظومة مستدامة.
وفي هذا الصدد، “سانا” التقت وحاورت الدكتور محمد أبو هلال، خبير الطب النفسي وإدارة الأعمال والحوكمة، الذي أشار إلى أنه في ظل التحديات النفسية الناجمة عن الظروف الاستثنائية، تبرز ضرورة بناء منظومة صحة نفسية متكاملة تراعي الخصوصيات الثقافية السورية، بالتعاون مع جميع الوزارات والجهات المعنية.
ما معنى “حوكمة الصحة النفسية” ولماذا هي الأساس؟
أبو هلال: حوكمة الصحة النفسية تعني تنظيم آليات اتخاذ القرارات الكبرى ضمن رؤية واضحة، وصياغة استراتيجيات زمنية تتعلق بالتمويل والموارد البشرية والقوانين والأنظمة وطبيعة الخدمات، وتقع مهمة حوكمة الصحة النفسية بشكل رئيسي على عاتق الوزارات المعنية وعلى رأسها وزارة الصحة.
التعاون بين الوزارات وتحديات بناء المنظومة
أبو هلال: قامت وزارة الصحة بالتعاون مع عدد من الوزارات والمنظمات بتأسيس لجان مشتركة بين الوزارات والمجلس الأعلى للصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، أما التحديات فهي الحاجة إلى موارد بشرية ومالية كبيرة وخبرات متخصصة وتدريبات، إضافة إلى أولويات منها إصدار قانون جديد للصحة النفسية ووضع خطة استراتيجية وتنظيم المهن النفسية، مع تكييف برامج الصحة النفسية بما يراعي الثقافة المحلية.
التدريب المتخصص للأطفال
أبو هلال: بدأنا في منظمتنا “مستقبل سوريا الزاهر” مشروعاً تدريبياً يتعلق بطب نفس الأطفال، وهو أول تدريب يهدف لبناء فرق متعددة التخصصات قادرة على العمل معاً لافتتاح مراكز متخصصة شاملة في الصحة النفسية للطفل، تعتمد التدريب على استقطاب متدربين من خلفيات مختلفة كأطباء نفسيين واختصاصيين نفسيين ومختصي تربية للعمل معاً، ويتضمن ورشات عمل حول الاضطرابات النفسية للأطفال من منظور الطب النفسي ومبادئ العلاج والدعم، مع مراعاة اختلاف الخلفيات المهنية للمتدربين.
أهمية الإشراف المستمر بعد التدريب
أبو هلال: لا يمكن لأي تدريب أن يكون ذا جدوى دون إشراف، فهو ضرورة علمية وأخلاقية تسهم بتطوير مهارات المتدربين وتساعدهم على التعامل مع التحديات النفسية والعلمية التي تواجههم.
مراعاة الثقافة والعادات المحلية في برامج الصحة النفسية
أبو هلال: الصحة النفسية فرع من قطاع الصحة، لكنها تتعامل مع النفس والروح والإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً يتأثر بثقافته وعاداته، ومراعاة البعد الثقافي أمر بالغ الأهمية لضمان تكامل العلاج النفسي مع قيم المجتمع.
أبو هلال: تجربة مهمة حصلت معي خلال زيارة إحدى المدربات الألمانيات، حيث لاحظت غياب مناهج أصيلة مرتبطة بثقافتنا المحلية، منذ ذلك الوقت بدأت متابعة كل ما يُنشر عالمياً حول دمج الدين والثقافة في الصحة النفسية، ووصلنا اليوم إلى تطوير برامج من إنتاجنا يمكن تطبيقها ضمن مجتمعنا.
الجمع بين الطب النفسي وإدارة الأعمال
أبو هلال: خبرتي ناتجة عن الدمج بين الطب النفسي وإدارة الأعمال وإدارة المشاريع والبرامج، إضافة إلى خبرتي الطويلة منذ بداية الثورة السورية في إدارة وتنظيم مشاريع الصحة النفسية، هذا الدمج أتاح لي تطوير مقاربات قادرة على بناء منظومات وإنتاج البحث العلمي.
الخبرة العملية خلال 15 عاماً
أبو هلال: خلال هذه الأعوام، كان الاحتكاك بالمنظمات مهماً جداً، لأن العمل في سياق المنظمات والنزاعات والكوارث الإنسانية يختلف جذرياً عن العمل في الأوضاع المستقرة.
الخطوات القادمة لتطوير الصحة النفسية
أبو هلال: نحتاج لدعم جهود الدولة في تقديم الخدمات في قطاع الصحة النفسية والاجتماعية، مع استثمار هذه الجهود وتنفيذ تدريبات نوعية وتوطين تخصصات جديدة، وعلى سبيل المثال، بدأنا العمل في نفسية الطفل، والتعاون مع وزارات مثل وزارة الرياضة والشباب في علم النفس الرياضي والصحة النفسية للرياضيين، ومع وزارة الأوقاف في محاضرة حول المقاربات المستوحاة من الدين والثقافة في الصحة النفسية، ولدينا الجاهزية للعمل مع أي جهة ترى للصحة النفسية دوراً في تحسين أدائها.
رسالة للشباب السوري المهتم بالقطاع النفسي
أبو هلال: هذا قطاع مهم جداً لكنه يتطلب جهداً حقيقياً، فالاكتفاء بحضور دورات بسيطة أو الاستماع لمحاضرات عامة أو الاعتماد على المناهج الحالية لا يكفي، ويجب تراكم المعرفة والخبرات واكتساب المهارات اللازمة ليكون الفرد فاعلاً ومؤثراً في المجتمع، مع التحلي بالنفس الطويل وعدم الاستسلام.
يشار إلى أن الدكتور محمد أبو هلال، طبيب نفسي واستشاري الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في منظمة “مستقبل سوريا الزاهر”، حائز درجة الماجستير في إدارة الأعمال من الجامعة الافتراضية السورية، وشهادة إدارة المشاريع الاحترافية PMP من المعهد العالمي لإدارة المشاريع.