دمشق-سانا
تعد رواية “ذيل” للأديب لؤي علي خليل عملاً أدبياً سردياً نسوياً بامتياز، تدور أحداثها على لسان البطلة (ليلى)، إلى جانب بطولة نسائية مثلثة الأضلاع قوامها الأم سلام والابنة ليلى والعمة حليمة، لتمثل ذاكرة الحكاية والهوية السورية الجامعة.
التوثيق الواقعي والفضاء الغرائبي
تتكئ الرواية على لعبة سردية مشغولة بحرفية تدمج بين التوثيق الواقعي لأهوال الاستبداد والتحولات السياسية في سوريا منذ ثمانينيات القرن الماضي وصولاً إلى تحرير دمشق، وبين الفضاء الحكائي الغرائبي المستمد من مرويات العمة حليمة وموروث كتب التراث، وبين عالم الأحلام والكوابيس الذي يشكل مسرحاً موازياً تتجسد فيه مخاوف البطلة من وراثة الذيل الذي سمعت أن أباها يحمله.
يغدو هذا المزج بين الواقعي والسحري (الذيل) والحلمي أداةً فنيةً لتعرية قبح سلطة النظام البائد وتفكيكه، جاعلةً من صوت النساء الثلاث – بما يحملنه من ذاكرة وحب ومقاومة – نقيضاً وجودياً لعالم قوامه ذكور متوحشين (جميل ومن حوله)، لتنتهي السردية بانتصار الصوت النسوي وتحرر البلاد من (عشرية الذيول) وكوابيسها.
الذيل رمز للسلطة القمعية وأتباعها
تبدو الرواية كنص يقوم على الكناية لتفكيك بنية السلطة القمعية عبر استدعاء الموروث العجائبي وتوظيفه في سياق حداثي، حيث يتحول بموجبه (الذيل) من زائدة بيولوجية إلى بؤرة سيميائية تُفسر من خلالها منظومة القيم والسلوكيات الوحشية التي حكمت الواقع السوري لأربعة عقود.
تقدم الرواية شخصيات تماهت مع إجرام النظام البائد، من الأب جميل أبو شاليش القادم من خلفية توحشية عسكرية ذات بعد سياسي يحيل إلى السلطة السياسية المستبدة، فيظهر كمسخ هجين يحمل ذيلاً مخفياً، مستندةً في ذلك إلى مرجعيات وردت في كتب قديمة، مثل أخبار الزمان للمسعودي، لترسيخ فكرة أن التشوه الخلقي عند بعض البشر تجلٍ خارجي لتشوه أخلاقي جيني يرتبط بالمجرمين، ما يضع القارئ أمام ديستوبيا واقعية فريدة، يصبح فيها الذيل علامةً فارقةً تقسم المجتمع إلى مساحتين: مساحة الضحية البشرية (الأم سلام والابنة ليلى بصفتهما ممثلتين للمجتمع السوري)، ومساحة الجلاد المسخ الذي يمثل السلطة، ما يولد قلقاً وجودياً لدى الساردة ليلى حول هويتها الجينية والخوف من احتمال أن ترث هذا الرجس: الذيل.
المكان في الرواية من دمشق إلى العشوائيات
تقدم الرواية على المستوى السوسيولوجي والمكاني، نقداً جذرياً لسياسات الهندسة الديموغرافية التي انتهجها النظام البائد، عندما أحاط دمشق الجميلة وغيرها من المدن بأحياء كاملة من السكن العشوائي، والتي تحولت إلى خزانات بشرية يعيث فيها العنف والفساد والإجرام، وبذلك يغدو المكان في الرواية شخصيةً فاعلةً.
ويبدو لافتاً للنظر التحولات الدلالية التي طرأت على الذيل (مركز الثقل الدلالي للرواية) في فصول الرواية الأخيرة؛ إذ تحول بموجبها من رمز للسطوة الأبدية، إلى أثر بائد لحقبة سوداء طُويت صفحتها فعلياً بتحرير دمشق وانتصار الثورة، في لحظة فارقة تحولت فيها المخلوقات ذات الذيول من كائنات أسطورية مخيفة إلى فلول هاربة تترك خلفها إرثاً من القبح والدمار.
تقدم الرواية نفسها كنص فوق زمني، يقرأ الداخل السوري من زاوية نسقية-ثقافية، ويحوّل التجربة الفردية الأنثوية إلى حقل تأويلي لفهم كيف يُعاد إنتاج القمع من خلال اللغة، السكن، الجسد، العائلة، الجيش، والهوية، فتسد بذلك فجوةً في السرديات المعاصرة السورية التي واكبت الثورة السورية ونزعت نحو التسجيل المباشر، إذ تشتغل من الداخل النصي وفق بنى بلاغية كثيفة ومجازات متكاملة توحي أكثر مما تصرح، وتؤول أكثر مما تُفَسِّر، ما يجعلها نصاً ثقافياً بامتياز، جديراً بالدراسة والتأمل.
نبذة عن الرواية والمؤلف
يشار إلى أن رواية ذيل صادرة عن دار موزاييك للدراسات والنشر 2025، أما المؤلف فهو من مواليد دمشق عام 1969 حاصل على درجة الدكتوراه في تخصص الأدب القديم، عمل في حقل التدريس الجامعي في سوريا والسعودية وقطر، وصدرت له عدة روايات من بينها عين جورية، حمزة والهدهد، وفي القصة: أشياء ضائعة ووجوه القلعة، وفي الدراسات عجائبية النثر الحكائي، والدهر في الشعر الأندلسي، وهو حاصل على جوائز عديدة من بينها جائزة سعاد الصباح للدراسات النقدية عام 1994، وجائزة اتحاد الكتاب العرب للدراسات النقدية عام 1995.