الشريط الأخباري

حمام البكري الدمشقي.. عمره تجاوز الـ 900 عام وجمع الآلاف من ضحكات الأقارب والأصدقاء

دمشق-سانا

بمجرد دخولك حارات باب توما القديمة واتجاهك نحو حي القيمرية الدمشقي يستوقفك للحظات مشهد باب “حمام البكري” التراثي الموجود في مكان مميز يستحيل أن يمر أحد من أمامه دون أن يلفت انتباهه فينظر إليه ويبتسم ويقول بداخله “رح اجي على حمام السوق أنا ورفقاتي واخواتي”.

في جادة النحوي شرق القيمرية يوجد حمام البكري الذي يعد من أقدم حمامات السوق بمدينة دمشق القديمة ويتمتع بشهرة واسعة عند السوريين وغير السوريين الذين يقصدونه مباشرة عند زيارة سورية نظراً لموقعه المميز حيث يقع بشكل ملاصق لجامع البكري القديم حتى أن مدخله جنوب مئذنة الجامع وأيضاً لتاريخ بنائه العريق الذي يعود وفق مديره حسام حمامي إلى العصر المملوكي عام 1069 أي عمره الآن تجاوز الـ 900 عام.

وعلى مر السنوات انتقلت ملكية حمام البكري من شخص إلى آخر من عائلات دمشق المعروفة إلى أن تسلمته عائلة حمامي عام 2010 وهي معروفة بمزاولتها هذا العمل بالعديد من حمامات السوق في دمشق ولكن تم إيقاف العمل فيه نتيجة تداعيات الحرب الإرهابية على سورية ولذلك تم استغلال السنوات الماضية من إغلاق الحمام لإعادة ترميمه وتجديده بروح العصر مع الحفاظ على أصالته ودلالته التراثية لتتم إعادة فتح أبوابه منذ عدة أشهر وفق تصريح حمامي لمندوبة سانا.

ويروي العم محمد دحدوح أبو مصطفى العامل بصفة “معلم مساج” في الحمام خلال حديثه لـ سانا سبب استخدام الدمشقيين لحمام السوق حيث أنه منذ أكثر من ثلاثين عاما كانت الحاجة ضرورية له لعدم احتواء تصاميم بعض البيوت الدمشقية على حمامات أو لكثرة أفراد العائلة ضمن البيت الواحد بحيث لا يكفيهم حمام واحد ضمن المنزل لذا كان الرجال أو النساء يرتادون حمام السوق بشكل أسبوعي ومع السنين أصبح تقليدا تراثيا استمرت الأسر الدمشقية بممارسة طقوسه حتى مع وجود الحمامات المنزلية ولا سيما في الأفراح والمناسبات كعادة مرافقة لحفلة أي عريس في الشام.

وبشكل عام يتألف كادر العمل في حمام السوق من المعلم “مالك الحمام الذي يتولى إدارة العمل والحفاظ على أصول المهنة” والناطور “المسؤول عن استقبال وخدمة الزبائن داخل الحمام ضمن قسمي البراني والوسطاني” والريس أو الملقب بالمكيس “مسؤول عن تلييف وتفريك جسم الزبون بالصابون والماء في القسم الجواني” والتبع “مسؤول عن تغسيل رأس الزبون ومساعدة المكيس في عمله والقيام بشطف وتنظيف الأقسام وتجهيزها” والقميمي “مسؤول عن إيقاد النار وتسخين الماء ويسكن داخل قسم القميم أي المكان الذي يوجد فيه بيت النار” أما الآن فيقتصر كادر عمل بعض الحمامات على المعلم والمكيس والتبع وإن كان الحمام مخصصاً للنساء فيصبح كادر العمل مؤلفا من “المعلمة والناطورة والمكيسة والبلانة وهي صفة التبع ذاتها المذكورة أعلاه”.

بعد دخول مبنى الحمام الرئيسي والاستعداد لعملية الاستحمام يبدأ الشخص بالنزول عادة على درج مكون من ثلاث أو أربع درجات وهو موجود في معظم الحمامات الدمشقية إلا حمام النوفرة وسبب وجود هذه الدرجات وأن أرضية الحمام منخفضة عن مستوى قسم الدخول الأول فيه أوضحه العم أبو مصطفى بأن جميع الحمامات كانت تستمد مياهها من نهر بردى وللحصول على الماء يجب أن يكون مستوى الأرض موازيا لمنسوب النهر حتى يتم التمكن من سحب الماء من خلال قساطل فخار ضمن الحمام ولذا كانت أرضية الحمامات منخفضة.

أما “القبقاب” المتعارف ارتداؤه ضمن الحمام فأيضاً لم يكن لمجرد التسلية أو الطقوس المرافقة لهذا المكان وإنما له سبب حسب العم أبو مصطفى حيث انه كان يتم في السابق تسخين المياه عن طريق الحطب الذي يوضع عليه “الحلة” والتي تتصل بمدخنة تسمى “الفحل” ومسقوفة بالحجر إضافة لوجود ما يسمى “بالزغاليل” و”المقاصير” التي يتم عبرها تسخين الحمام وبالتالي فإن حجر أرضية الحمام يبقى ساخنا وحرارته مرتفعة ولا يمكن تحملها فيرتدي الشخص قبقاب الخشب كونه عازلا للحرارة لحماية قدميه.

وبالمجمل فإن معظم حمامات السوق مكونة بالطريقة ذاتها وتخضع لنظام الحرارة المتدرج وهو سبب التنقل من قسم لآخر حيث أنه فور الدخول الى الحمام ترى صحنا حجريا تتوسطه بحرة ومصاطب حوله للجلوس وهو ما يسمى قسم “البراني” حيث يتم استقبال الزبائن فيه وتقديم الضيافة لهم ثم إعطاؤهم المناشف وجرارا “خزانات” لوضع الأغراض الشخصية لينتقل الزبون بعد ذلك إلى “الوسطاني” والذي ترتفع فيه الحرارة قليلا عن قسم “البراني” بشكل مقصود لأن تدرج الحرارة يحمي أجسام الأشخاص من الأمراض بعدها يتم الانتقال إلى “الجواني” وغرفة البخار فيه والذي تزداد فيه الحرارة أكثر وتتم عملية الاستحمام.

بعد انتهاء الزبون من الحمام يخرج بنفس الطريقة التي دخل بها بالانتقال من “الجواني إلى الوسطاني إلى البراني” حتى لا يشعر الجسم بفارق الحرارة الكبير مباشرة وبالتالي حمايته من التعرض للمرض وبعد خروجه إلى البهو يحصل على مناشف جديدة ويجلس في البراني ليحتسي “الشاي الخمير” أو المشروب الذي يريده وفق المدير حمامي الذي لفت إلى أن الناس كانت ترتاد الحمام سابقاً كحاجة وضرورة أما اليوم فيأتون لإحياء التراث وكنوع من الاستجمام والاسترخاء والحصول على الراحة النفسية جراء تدليك الجسم حتى بات هناك زبائن دائمون يرتادونه بشكل يومي كونهم يعتبرونه مصدراً للراحة وتهدئة الأعصاب والطاقة الإيجابية حسب تعبيرهم.

ولحضور العريس إلى الحمام قبل زفافه طقوس خاصة حيث يرافقه أصحابه وإخوته وجيرانه وبعد الاستحمام يتناولون “المجدرة” التي تعتبر تقليدا دمشقيا أصيلا وبعد الانتهاء من تناول الطعام تقام عراضة شامية له ومن ثم يزف العريس إلى منزل أهل العروس حيث أوضح حمامي أنه عند حضور العريس أو العروس للحمام يجب حجز الحمام مسبقاً بشكل كامل لتجهيز طقوس خاصة لذلك وكذلك حجز النساء الذي يتم بشكل مسبق وهي عادة قديمة جدا أما باقي الأيام فيتم استقبال الناس طوال اليوم من التاسعة صباحا وحتى الثانية ليلا.

حمام السوق سابقاً لم يكن مجرد مكان للاستحمام بل كان يتحول لما يشبه المنتدى للحوارات والنقاشات بين أهالي المنطقة الذين يرتادونه ومكان لحل المشاكل أو للخطبة في جلسات النساء وهو طقس لم يختف فتحول اليوم لأشبه بالجلسات الصباحية وتبادل الأحاديث أو جمعات الأعراس والمناسبات وخاصة في الأعياد حيث يزدحم حتى ساعات الصباح الباكر وفق كادر العمل في حمام البكري.

وبين الماضي والحاضر تحولت بعض الأمور المتعلقة بحمام السوق لأشكال أخرى فسابقاً كان الحمام للدراويش أما اليوم فباتت زيارة الحمام رفاهية وفي السابق كان إشعال النار يتم على الحطب أما اليوم على المازوت والمراجل ويضيف حمامي: “هو ليس مجرد مصدر للرزق هو أكثر من عمل ومهنة بالنسبة لي أصبح مكانا للثقافة مع الزوار والسياح والأجانب الذين لا بد من زيارتهم للحمام الدمشقي أثناء قدومهم إلى سورية بالإضافة لتبادل الحوارات والأحاديث مع مختلف شرائح المجتمع.. هذا المكان يمنحني الحب والفرح دائماً”.. ومع تداعيات الظروف الراهنة ومنها انتشار جائحة كورونا انتاب الناس في بداية الأمر بعض الخوف من زيارة الحمام وفق حمامي لكن الأمر زال بسرعة وعادت حركة الناس إليه ولا سيما مع اتخاذ كادر العمل في الحمام كل إجراءات السلامة والوقاية والتشدد بموضوع النظافة والتعقيم لكل الأدوات والأماكن في الحمام.

وبابتسامته وكلماته المحببة يرحب ناطور الحمام عبد القادر جعيداني بكل من يرتاد الحمام فيستقبل الشخص بمجرد دخوله ويتوجه به إلى المصطبة ويعطيه جرارا لحفظ الامانات ووضع أغراضه الشخصية ومناشف للحمام وقبقابا ثم يوصله إلى الجواني ليكمل عملية استحمامه ليعود ويستلمه بعد خروجه من الحمام ويغير له مناشفه ويضع له بشكيراً على رأسه ويقدم له الشاي الخمير بعد جلوسه.

المغترب السوري طوني عبد الأحد مقيم في أميركا صادف قدومه إلى حمام البكري الأثري أثناء وجود كاميرا سانا حيث أوضح في تصريح لـ سانا أنه يرتاد حمام السوق منذ ثلاثين عاماً لأنه مكان جميل وتعيش فيه الأجواء التراثية وفق تعبيره بالإضافة لكونه مكانا صحيا للجسم وخاصة عملية “التكييس” التي يخضع لها الشخص أثناء الحمام وهي تنظيف الجسم وفركه.

من أقوال أهل الشام عن الحمام الشعبي.. “نعيم الدنيا الحمام” وجملتهم المعروفة بعد خروج العريس من حمام السوق.. “حمام الهنا ياعريس”.. جمل ترسم الفرح والبهجة عند سماعها لأنها تعيد إلى ذاكرتك مباشرة أصوات الضحكات والأغاني التي ترافق هذا الطقس الدمشقي القديم الذي تملؤه المودة والألفة حسب وصف كل من زاره وعاش أجواءه.

 سكينة محمد