حفظ وحماية التراث الثقافي السوري.. ضرورة ملحة وواجب إنساني جماعي

دمشق-سانا

يشكل التراث الثقافي العالمي سجلا لتوثيق ما أنجزته الحضارة الإنسانية منذ ظهور الإنسان الأول على سطح الأرض وعاملا مهما للحفاظ على التنوع الثقافي للمجتمعات وهوية الأمم ورصيدها من التجارب والخبرات.

وتعتبر سورية من أوائل دول العالم التي صادقت على الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحفظ الإرث الثقافي ومكافحة الاتجار غير المشروع به والتي تم إقرارها تحت مظلة منظمة التربية والعلم والثقافة “اليونسكو” كاتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حال النزاع المسلح واتفاقية باريس عام 1970 بشأن التدابير الواجب اتخاذها لمنع استيراد وتصدير ونقل الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة واتفاقية باريس الثانية عام 1972 لحماية التراث الثقافي والطبيعي.

ويرى المؤرخ الدكتور محمود السيد خبير الآثار وقارئ النقوش الكتابية القديمة في المديرية العامة للآثار والمتاحف في تصريح لـ سانا أن التراث الثقافي الحضاري السوري يتميز عالميا بالغنى والتنوع والتفرد في بعض مكوناته ويمثل بشقيه المادي وغير المادي قصة تطور الابداع البشري فسورية هي مهد الحضارات والأرض البكر لظهور القرى الزراعية ومفهوم المدنية والتمدن والفنون التشكيلية والكتابة ونظم الحساب والتعدين والبنيان والتطور العمراني.

وفي سورية حسب السيد ست مناطق أثرية تشمل 46 موقعا والمئات من المباني التاريخية مسجلة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي وهي “مدينة دمشق القديمة 1979م ومدينة بُصرى القديمة 1980م ومدينة حلب القديمة 1986م وموقع تدمر1980م وقلعة الحصن 2006م وقلعة صلاح الدين 2006 م والقرى الأثرية في شمال سورية 2011م”.

وإن التدمير وعمليات التنقيب غير المشروعة والنهب الممنهج للمواقع والأوابد والقطع الأثرية والتاريخية السورية الذي قامت به عصابات الآثار والتنظيمات الإرهابية المسلحة خلال الحرب على سورية كان الهدف منه وفق السيد تدمير تراثها الثقافي وإضعاف الشعور بالهوية وفقدان جزء مهم من التراث الثقافي العالمي وضياع المعرفة بتاريخ الإنسانية.

ويوضح المؤرخ السوري أن التراث العالميّ يحدد بنوعين “التراث الثقافيّ والتراث الطبيعيّ” وللتراث الثقافي جانب معنوي يشتمل على العلوم والأدب والقيم والعادات وجانب مادي يشتمل على أشياء ملموسة مثل الآثار والمباني والأحداث التي تقع وتتناقل بين الناس في حين يشمل التراث الطبيعيّ معالم فيزيائية وبيولوجية تتمتع بقيمة جمالية وعلمية عالية وتشكيلات جيولوجيّة وفسيوغرافية مثل المناطق التي تحتوي على الحيوانات والنباتات المهدّدة بالانقراض والمناطق الطبيعيّة ذات الجمال الطبيعي النادر والتي تحمل قيمة عالية ومتميزة كموقع “رجم الهري” في الجولان السوري المحتل.

ويعتبر الدكتور السيد أن أهمية التراث الثقافي تتمثل في ارتباطه بماضي الإنسان والواقع الذي يعيشه وبحاضره ومستقبله ويؤدّي فقدانه وزواله إلى زوال الهويّة وفقدان الذاكرة, والإرث الثقافي السوري يمثل خبرات الإنسان السوري المتراكمة التي اكتسبها عبر العصور وما أنجزه فيما بعد من نقله لإنجازاته وابتكاراته إلى الدول والممالك الأخرى بهدف الاسهام في تطور وتقدم الحياة البشرية.

من جهة أخرى يمثل التراث الثقافي جزءاً مهماً من الوعي السياسيّ والاجتماعيُّ ويساعد على استمرارية المجتمعات وتغيير هيكل المجتمع ليصبح أكثر سمواً ورفعة كما يسهم في تعزيز ثقافة السلام وتشكل اللغة والكتابة والتعليم وأنظمة المحاكاة الحديثة أهم وسائل انتقال التراث من الماضي إلى الحاضر بجميع أشكاله وأنواعه.

وشدد خبير الآثار السوري على أن عملية صيانة وترميم وإعادة إحياء التراث السوري في ظل الظروف الراهنة تشكل ضرورة لا ينبغي تأجيلها نظراً للدور المهم الذي يلعبه العامل الثقافي في إعادة البناء الاجتماعي وإعادة الشعور بالهوية ومساهمته في تعزيز مفاهيم التسامح والمصالحة وثقافة المحبة والسلام واحترام التنوع والاختلاف ونبذ الصراعات والانقسام والتطرف والإقصاء لذلك يعتبر إحياء التراث الثقافي ضرورة تستوجب العمل عليها في المراحل المبكرة لإعادة الإعمار بعد الحرب ويجب تجريم التدمير المتعمَّد للتراث الثقافي باعتباره انتهاكاً لحقوق الإنسان.

ويتابع السيد شرح أنواع التراث حيث تندرج ضمن التراث الثقافي اللامادي في المجتمع السوري عناوين مختلفة كالممارسات والطقوس الاجتماعية والفنون والموسيقا والمهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون والأزياء الشعبية والتراث الثقافي غير المادي تراث قابل للاندثار لذلك يجب تعزيزه وحفظه وصيانته من خلال زيادة الاهتمام بالفلكلور.

 

بينما يقسم التراث الثقافي المادي إلى تراث ثابت /مواقع أثرية ومبان ومتاحف ونقوش ورسوم جدارية وعلى الصخور الطبيعية/وتراث منقول /قطع أثرية متحفية وعملات وأختام محفورة وصور منحوتة أو منقوشة ومخطوطات وطوابع…/ وتراث وثائقي /الأعمال المكتوبة أو المطبوعة بمختلف اللغات ومخطوطات ورقم وأدوات حساب وأدوات تدوين/.

وبالنسبة للعوامل المهددة للتراث يوضح السيد أن هناك عوامل طبيعية وبشرية تهدد سلامة التراث وتعرضه للتدمير والتشويه كالإشعاع الشمسي والمناخ من حرارة ورياح وأمطار والكوارث الطبيعية من فيضانات وزلازل وصواعق وبراكين والمشكلات البيولوجية واعتداءات البشر على مواقع التراث الثقافي “النمو السكاني المتزايد وحرائق وأعمال الهدم والتخريب والسرقة والترميم الخاطئ والحروب والمشروعات التنموية والتطويرية وغياب الوعي الثقافي والاحساس بالانتماء”.

ولحماية التراث الثقافي السوري الثابت والمنقول لابد من اتخاذ العديد من الإجراءات التي يعددها خبير الآثار السوري بداية بضرورة تعاون المجتمع الدولي على حمايته وملاحقة من يقوم بالتعدي عليه وسرقته ونشر الوعي بأهمية ما نملك وخطر الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية واتخاذ إجراءات الحماية وفق أسس علمية وتوثيق الانتهاكات والأضرار التي لحقت بالآثار والأوابد التاريخية والقيام بعملية إعادة الترميم بطريقة علمية صحيحة حيث لا تؤدي إلى إحداث تغييرات في المباني التراثية سواء في مظهرها أو في وظائفها أي استعادة الموقع التراثي لوظيفته التي اختصَّ بها عند إنشائه ليكون حافظاً للهوية واستخدام التقنيات الحديثة المتمثلة بالأدوات والآلات وأجهزة التحكم بالحرارة والرطوبة وأجهزة الإنذار في حماية وترميم التراث.

كما يجب الاهتمام بالتراث فكريا وعمليا حسب الدكتور السيد من خلال تنظيم العلاقة بين السياسة الوطنية وخطة العمل وإشراك المجتمع الأهلي في تخطيط وتنفيذ مشاريع إعادة إحياء التراث الثقافي لضمان نجاحها واستمراريتها.

وإدارة المناطق الأثرية بطريقة حضارية مدروسة تحافظ على القيمة وطابع المكان وتجعله مقصدا سياحيا ومصدر دخل قومي مهما في الوقت عينه وزيادة برامج توعية الجمهور بأهمية الحفاظ على التراث ونشر مضمونه واتباع الوسائل المناسبة للبحث والاستكشاف والانتشال والتوثيق والتسجيل والتحليل والعرض بما يضمن حفظ اللقى والمواقع واستثمار كل الموارد العلمية والتقنية والثقافية في تأمين حماية فعالة للممتلكات الثقافية وصونها وإحيائها وإطلاع السكان المعنيين وإشراكهم في تخطيط عمليات الصون وتنفيذها وتلبية الاحتياجات العاجلة لصون الممتلكات المدرجة في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر وتسجيل القطع الأثرية المنهوبة والمهربة إلى الخارج ضمن القائمة الحمراء بهدف منع بيعها أو تصديرها بشكل غير قانوني واسترجاعها في مرحلة لاحقة.

ويشير خبير الآثار السيد إلى ضرورة الاهتمام بالعرض المتحفي والحفاظ على المقتنيات المتحفية وتشجيع التداول القانوني للمعروضات بين المتاحف والمؤسسات الثقافية المختلفة من خلال عمليات التبادل والإعارة مع ضمان حماية القطع المعارة أثناء النقل وتأمينها ضد المخاطر التي قد تتعرض لها أثناء الشحن واعتماد مجموعة من التدابير الرامية إلى تحسين نظم الأمن في المتاحف والمؤسسات المماثلة وتوفر حماية أفضل.

إضافة إلى تشجيع تبادل المعلومات والبحوث بين علماء الآثار وغيرهم من المتخصصين وأصحاب القرار في مجال التراث الثقافي وعقد المؤتمرات وتمويل مشاريع الخدمات البلدية والبيئية والبحوث والتدريب وإصدار مبادئ ومعايير وقوانين خاصة تتوافق مع الواقع الحالي وتسهم بشكل فاعل ومؤثر في حماية التراث بما يتوافق مع النظم الدستورية والقوانين الدولية.

ويتابع الدكتور السيد أساليب حماية التراث بضرورة إدخال مفهوم حماية التراث العالمي في البرامج التربوية والتعليم على نطاق واسع  وتفعيل التعاون مع المنظمات والهيئات الدولية والإقليمية العاملة في مجال حماية التراث الثقافي وإدارته وتعزيزه والاستفادة من التشريعات والقوانين الصادرة عنها كاليونسكو والمجلس الدولي للمتاحف (أيكوم) والمركز الدولي لدراسة ترميم الممتلكات الثقافية وصونها (الإيكروم) والمجلس الدولي للنصب التذكارية والمواقع الأثرية (الإيكوموس) واللجنة الدولية لإدارة التراث الأثري (أيكام) والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (إليسكو) والصندوق العالمي للآثار وصندوق التراث العالمي ولجنة التراث العالمي والبنك الدولي ومنظمة التراث الثقافي بلا حدود ومؤسسة الآغا خان للثقافة ومركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية (ارسيكا) والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو)… ومواكبة للتطور التكنولوجي يجب حفظ التراث الثقافي الكترونيا وفق السيد عبر تسجيله وتوثيقه بالمعلومات والصور بهدف إنشاء سجلٍّ وطني للمواقع الأثرية والتاريخية في سورية والاعتماد على نظام التوثيق العالمي الالكتروني المعتمد دوليا إلى جانب النظام العملي المفصل والمعتمد محلياً مع محاولة توحيد المصطلحات الخاصة بالتوثيق الدولي .

وفي الإطار ذاته فإن حماية التراث الثقافي السوري وإدارته واستثماره والترويج له يتطلب إصلاحات مؤسساتية وتعميق روح الانتماء للمؤسسة بالنسبة للعاملين في قطاع التراث الثقافي والحفاظ على الكفاءات الوطنية والخبرات النادرة وتطويرها والاستفادة منها في هذا المجال وعدم منح رخص التنقيب في مواقع أثرية جديدة ما لم تسمح الموارد البشرية والمادية بضمان حمايتها وإدارتها بشكل فعال.

وبالنسبة لبعض الأعمال التي قامت بها الكوادر الوطنية السورية للحفاظ على عدد من الممتلكات التراثية الثقافية يذكر السيد ما قام به كادر من المديرية العامة للآثار والمتاحف يضم الدكتور السيد والمتخصص في علم الفسيفساء الدكتور كميت عبد الله والمرممين برهان الزراع و محمد كايد وبتكليف من وزارتي الثقافة والأوقاف ترميم الجزء المتضرر من لوحة الفسيفساء الأموية الأصلية التي تزين الواجهة الخارجية الرئيسية لحرم الجامع الأموي بدمشق والتي أصيبت بتاريخ 19-11-2013 بقذيفة هاون تسببت بفقدان جزء من اللوحة بقطر 1 متر وانفصال في محيطها ناتج عن ضغط الضربة كما تسببت القذيفة بفقدان الحامل الرئيسي للوحة الخابور حيث تم ترميم الجزء المتضرر بدقة ودون المساس بمضمون اللوحة الأثري والفني.

كما رمم الفريق في عام 2014  لوحة الفسيفساء التي تزين حرم الجامع الأموي من الداخل ولم ترمم مطلقا منذ الحريق الذي تعرض له الجامع عام 1893 م وكانت معرضة للسقوط وتعاني أضرارا بليغة وفي حالة حفظ سيئة جدا .

وبموجب القرار الوزاري رقم 259آ و القرار رقم 999 الصادر بتاريخ 16-9-2014 قام الكادر الوطني نفسه بترميم هيكل المعبد في مدينة عمريت الأثرية الواقعة على بعد 7 كم جنوب مدينة طرطوس والممتدة آثارها على مساحة تقارب 6 كيلومترات مربعة ورمموا واجهة المدرسة السليمية في التكية السليمانية بدمشق.

 

وطبق فريق العمل منهجية علمية حديثة لأول مرة في سورية في قلع ونقل لوحات الفسيفساء من أرض المواقع الأثرية (لوحة الفسيفساء المكتشفة في موقع المنطار الأثري جنوب محافظة طرطوس) وفي حفظ لوحات الفسيفساء في أرض الموقع الأثري وترميم لوحة الفسيفساء النادرة عالميا والمكتشفة في عين الحلوة في مدينة اللاذقية وقلع ونقل وترميم لوحة الفسيفساء المكتشفة في موقع برهليا في وادي بردى وترميم الرسوم الجدارية المكتشفة في مدينة شهبا.

عماد الدغلي

انظر ايضاً

التراث الثقافي السوري واقع وتحديات محاضرة في فرع دمشق لنقابة المهندسين

دمشق -سانا تناولت محاضرة “التراث الثقافي السوري .. الواقع والتحديات” التي أقامها فرع دمشق لنقابة …