الشريط الأخباري

الحرب لاتزال “غير حتمية”

تمخّض الجبل فولد فأراً. فالتوتر يتسارع حقاً، والمنطقة تتقلّب على صفيح ساخن، ولكن شبح الحرب لايزال بعيداً، والأمور تحت السيطرة رغم ارتفاع مؤشرات التصعيد. لقد تسبب تضارب مؤشرات الحرب والسلام في الساعات الأخيرة في إرباك المشهد العام وجعله أكثر تعقيداً، لكن الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، الطرفين المعنيين مباشرة، كانتا حريصتين على إطلاق سلسلة من التطمينات بأنهما لا تريدان الحرب.

من الواضح أن إدارة ترامب تتعمّد تضخيم المعلومات، لكنها تفشل في الترهيب: حشود عسكرية في مياه الخليج، وتسريب معلومات عن اجتماع غير مسبوق بين كبار مسؤولي البيت الأبيض وخبراء الـ “سي. آي. إيه” في مقر الوكالة، سيئة الصيت، لمناقشة الوضع، ولكن الصخب الإعلامي الأمريكي كان يتعالى بعيداً عن المبادرة لإحداث أي تغيير على الأرض، ويبدو أن واشنطن كانت تعوّل جدياً على أن تصفير الصادرات و”حرب التخويف” ستجرّ الجمهورية الإسلامية إلى طاولة المفاوضات، وأن روحاني سيسارع لطلب رقم الهاتف الذي أودعه ترامب لدى السويسريين للاتصال به، وقد نتوقّع المزيد من التوتر خلال الأيام المقبلة، ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث، والحرب ليست في الأفق كما يبدو، لأن أياً من الطرفين المعنيين مباشرة، حتى الآن على الأقل، ليست لديه النية لبدء الحرب. لقد سخر قائد الثورة الإسلامية في إيران السيد علي الخامنئي من التقارير التي تروّج لمثل هذه الاحتمالات، وحذّر من أن بلاده سوف تعمد إلى تمزيق الاتفاقية النووية في حال “فشلت أوروبا في الوفاء بالتزاماتها تجاه الاتفاق”، لكنه لم يقل أبداً أن بلاده ستهاجم المصالح الأمريكية؛ كما انتهج الرئيس ترامب أكثر صيغ الانسحاب حدّة من الاتفاق النووي مع إيران، وأعاد فرض أوسع ما يمكن توقعه من عقوبات على الجمهورية الإسلامية، وشدّد حملة الضغوط إلى حدودها القصوى، إلا أنه لم يكن قادراً، بعد سنتين من الإجراءات العدائية، سوى على إطلاق حفنة من التغريدات العذبة والتصريحات التصالحية؛ وهو في النهاية قد يجد نفسه متورّطاً في مواجهة عسكرية تعتزم “إسرائيل” والسعودية جرّه إليها.. مواجهة “قاتلة” و”أخيرة” تستعد إيران لها منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ويمكن لها أن تتحوّل خلال أسابيع من وقوعها، وبطريقة ما، إلى مواجهة شاملة مع السعوديين والإماراتيين، لتتدرج على شكل سلسلة لامتناهية من التصعيدات المتبادلة التي لن تهدأ إلا بتورط القوى العظمى وتدمير الاقتصاد العالمي. ولا مبالغة، فالحرب، إن وقعت هذه المرة، ستذهب بجميع منشآت النفط والغاز في المنطقة، وسيتم تدمير جميع الناقلات في مياه الخليج والبحر الأحمر، وسوف تتوقّف إمدادات الطاقة نهائياً من الخليج العربي؛ ومن الواضح – كما يقول أحد منشقي الاستخبارات الأمريكية – أن الولايات المتحدة هنا في وضع غير مؤات، لأنه إذا تمّ إغلاق مضيق هرمز، لأي سبب كان، فإن الولايات المتحدة ستنهار، وستكون كارثة على الاقتصاد العالمي، وهذا سيؤدي حتماً إلى الخسارة الكاملة لفرص ترامب في إعادة انتخابه عام 2020؛ علاوة على أن المقاربة القائمة على المجابهة هي، في النهاية، تطبيق حرفي للمقاربات الخطرة والانتحارية التي يروّج لها كل من بن سلمان ونتنياهو، والتي فصّلت على مقاس مطامحهما الشخصية لا أكثر ولا أقل.

ترامب يريد الاسترخاء، لكن الدولة العميقة لا تنوي السماح له بذلك.. لقد أحاط نفسه بالحثالة الأشد هوساً من المحافظين الجدد، وهو يصغي بانتباه، بين الفينة والأخرى، إلى مخططاتهم، ويسمح لمستشاره لشؤون الأمن القومي جون بولتون بحشد تحليلات استخبارية حول تهديدات إيرانية محتملة. مواهب هؤلاء تتلّخص في محاولة دفع طهران بلا كلل للتراجع، أي تراجع، عن التزاماتها بموجب خطة العمل المشتركة الشاملة، بحيث يباشرون في الترويج لإيران كـ “تهديد” للأمن القومي الأمريكي، في وقت يقرعون أجراس الحرب لجمهور الناخبين. لا يهم المحافظين الجدد أن محاولتهم تدمير العراق كلّفت أكثر من 6 تريليونات دولار، وكانت جريمة حرب كبرى وكارثة سياسية وهاوية اقتصادية، وأن أي تفكير بتدمير إيران سيكلّف أضعاف ذلك؛ هم معنيون فقط بممارسة نوع من الكراهية الهستيرية تجاه دولة مستقلة ذنبها الوحيد أنها تحدّت علناً الهيمنة الأمريكية مدة أربعة عقود، وتجاوزت البترودولار، حجر الزاوية في الهيمنة الأمريكية، ويعرقل الهجوم عليها التكامل الأوراسي في المستقبل، تماماً مثلما كانت البرازيل الجيب الذي ينبغي استهدافه لوقف مسيرة تكامل القارة الأمريكية اللاتينية.

الحرب لاتزال “غير حتمية”، وقد لا ينجو بولتون من إخفاقاته في الملفات الاستراتيجية لإيران وفنزويلا وكوريا الديموقراطية، ولكن ذلك يبقى معلّقاً بالمدى الذي يتمّ فيه التلاعب بالرئيس، ولكن، وقبل كل شيء، بقدرة القوى الإقليمية على إعادة تحديد معادلات التوازن العالمي الجديد.

بسام هاشم

 

انظر ايضاً

مواجهة مع “فاتك اقتصادي”-البعث

   أغلب الظن أن في أفقنا أشياء كثيرة يمكن أن نفعلها، إن في سوق العملات …