التحشيد وظلاله السوداء!!- صحيفة الثورة

يأخذ التحشيد الأميركي بعداً إضافياً في المشهد الإقليمي والدولي، في وقت يعلن فيه وزير الخارجية الأميركية الانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة المواجهة مع إيران، حيث الفارق ليس في الاستراتيجية فحسب، بل في تغيير قواعد الاشتباك التي كانت تشكل على مدى العقود الماضية إطاراً يضبط خطوط التصعيد وسقوفه، ويحول دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة يمكن أن تقود إلى المحظورات التي طالما شكلت حصانة تضبط إيقاع أي مواجهة تحصل.

وبالتوزاي يبدو التحشيد التركي على الحدود السورية يتناغم مع نظيره الأميركي، في محاولة محمومة لرسم قواعد اشتباك جديدة أيضاً تحاكي التمنيات التركية في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي، أو في الحد الأدنى تضع جملة الخيارات التي تستدعي من خلالها تركيا أوهامها والخلط بينها وبين الأطماع، بحيث يتشكل الناتج مزيجاً من المغامرة المحفوفة بالمخاطر والتحديات، وتضع المنطقة على فوهة الانفجار، حالها في ذلك حال السلوك الأميركي الذي يكشف عن خيوط إضافية في التلاعب السياسي المبني على افتراضات تحاكي الواقع من منظور الرغبة في إعادة ضبط الإيقاع ليكون على مقاس المقاربة الأميركية بعد قرار الانسحاب من سورية.

وبينهما تتفاوت حدة التقاطعات بين التركي والأميركي رغم الخلاف السياسي الذي توّجه رئيس النظام التركي برفض اللقاء مع بولتون، في سابقة سياسية تعيد ترسيم التفاهمات بين أنقرة وواشنطن على أسس تتوافق مع الأجندات المحدثة على ضوء القرار الأميركي الأخير، بحيث إن النظام التركي الذي يراهن على مساحة التفويض الأميركي ويعوّل على مدى الحاجة الأميركية لهذا الدور، يجد نفسه في حلٍّ من كل التبعات التي ترتبت على العلاقة المختلة مع الأميركي، لجهة الأهداف المعلنة والمخفية في سياق ترتيب تلك العلاقة لتكون عوناً للأميركي في المرحلة القادمة، من خلال نزع فتيل الخلافات الجانبية والتركيز على التحشيد ضد إيران.

المفارقة أن الأميركي في تحشيده الظاهر للعيان سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً يواجه معضلة تتضح أبعادها في الهروب خارج المنطقة من أجل ذلك التحشيد، وهو إشارة صريحة إلى أنه يعيد النظر في أدواته الإقليمية ومن بينها التركي، خصوصاً بعد الخيبات المتتالية التي مُنيت بها أميركا في مشروعها الإرهابي، الذي اعتمد على التركي ومشيخات الخليج في تسويقه وتمريره، حيث كانت خياراته في أغلب الأحيان عاجزة عن استدراك عناصر الضعف البنيوي التي تفاقمت داخل المشروع على نحو متزايد، ما عجل بقرار الانسحاب الأميركي من سورية وتسويق فكرة التفرغ لمحاصرة إيران ومواجهتها، والانتقال في خطوط المواجهة لتكون في سياق التجريب العبثي الذي يستحضر ردة فعل ستكون على مقاس المحاولة ذاتها، وربما تتفوق عليها.

الصيغ المطروحة تكشف مساحات التباين بين حشد تركي يحاول أن يوقظ أطماعه وأحلام السلطنة البائدة، وتحشيد أميركي يستميت في استعادة هيمنته الغاربة على مستوى المنطقة والعالم، لكنها في الوقت ذاته تستحضر بشكل ممنهج ظلال التحشيد القاتمة السواد بالترويج للحاجات المتبادلة التي يتم التذكير بها، من خلال أوجه التحالف الأميركي التركي في الاستراتيجيات، بينما التكتيك يتيح هامش مناورة لا يخفي الجانبان الحاجة إليها، كل من زاويته الخاصة لتبقى الخلاصة النهائية أو المخرجات الفعلية هي إعادة اصطفاف سياسي مزدوج، يفصل بين الأدوات على نحو مرحلي لتتقاطع جميعها في خدمة الهيمنة الأميركية ومشروعها القادم في المواجهة المفتوحة التي ستبقى ذاتها، وإن تعدّلت زاوية الاستهداف أو جغرافية الأدوات والجبهات..!!

بقلم… عـــلي قــاســـــــم

انظر ايضاً

رين يفاجئ باريس سان جيرمان بفوز مستحق

رين-فرنسا-سانا عوض ستاد رين تأخره ليفاجئ باريس سان جيرمان بانتصار مستحق 2-1 باستاد روازون بارك …