مغامرة “أردوغانية” جديدة- بقلم عارف العلي

أمر طبيعي أن تُجري الدول مناورات عسكرية برية وبحرية مصحوبة باستعدادات سيبرانية تحاكي المعركة الحقيقية.. وأمر اعتيادي أن تجري العاصمة الأذربيجانية باكو مناورات عسكرية.. ولكن أن تقتصر على حدودها مع إيران فهذا ليس أمراً عادياً، وأن يكون النظام التركي مشاركاً أساسياً فيها، وبالخفاء الكيان الصهيوني، فهذه كارثة كبرى، وهي التي بدأت في الخامس وانتهت في الثامن من الشهر الجاري، تحت اسم «الإخوان الصامدين»، أي أخوة تجمع الكيان الصهيوني مع النظام التركي مع الأذرية.. وعن أي صمود يتحدثون.. وإذا افترضنا أن النظام التركي محاذي لأذربيجان، فماذا عن الكيان الصهيوني الذي يبعد آلاف الكيلومترات عن حدود إيران وأذربيجان؟.. وأي طبخة يحضر لها وتجمع بين أردوغان والكيان الصهيوني لاستهداف طهران من خاصرتها مع الجارة الأذرية، وخاصة أن ما يربط إيران وأذربيجان من روابط لا تُعد ولا تُحصى.. وهي بلا شك الفرصة الذهبية التي تنتظرها كل من أنقرة و«تل أبيب» لتحقيق مكاسب وإشغال إيران الصامدة، المقاومة، المساندة للقضايا العربية والإسلامية، والتي تحقق بعضها في مثل هذه الأيام من العام الماضي في حرب مدروسة مفتعلة، موجّهة في إقليم “ناغورنو كاراباخ.”.

واليوم يريد النظام التركي؛ مدعوماً سراً بالكيان الصهيوني و«ناتو» الإجهاز على ما تبقى من هذا الإقليم الحيوي- الإستراتيجي لكل من روسيا وإيران معاً.. وهذا يحقق مصالح ورغبات أردوغان «العثمانية»، وحضور الكيان الصهيوني على حدود إيران.. وهذا يرضي رغباتهم معاً، كل حسب مصالحه وأهدافه القريبة والبعيدة.. وهذا بعض، والخافي أعظم.

هروب النظام التركي إلى الخلف ترافق مع إفلاسه من الملف السوري.. وتراجع شعبيته وحزبه «العدالة والتنمية» والوضع الاقتصادي المزري.. وهبوط الليرة إلى الحضيض، وارتفاع معدلات البطالة، واستقالة وزير ماليته وصندوقه الأسود وصهره «البيرق» وانهيار التدابير الوقائية في مواجهة «كورونا»، وانكشاف نياته الخبيثة مع رفاق الأمس.. والتخلص منهم بالتوقيف، والعزل، والاغتيالات، وتراجع التحالف «الإخونجي» مع مشيخة قطر وانتهاء شهر العسل مع روسيا.. والكباش مع الاتحاد الأوروبي و«ناتو» وأمريكا على وجه الخصوص، والإفلاس من الملف الليبي بعد التوافقات الأخيرة.. والعبء الكبير على وجود قواته في خليج عدن ومياه الصومال وبحر العرب.. وفي سورية والعراق بعد قطع التمويل من حلفاء الأمس “مشيخة قطر” يضاف إلى ما تقدم رغم أهمية إعلان رئيس النظام التركي نيته إجراء انتخابات جديدة برلمانية ورئاسية للهروب أكثر إلى الأمام.. بعدما شعر أن بيته أمسى «أوهن من بيت العنكبوت» وأن أيامه باتت معدودة.. فكان لابدّ من استدارة جديدة ومناورة، فكانت هذه المرة من البوابة الأذرية للوصول إلى بحر قزوين من دون موافقة إيرانية أو دفع رسوم لها، وهو حلم يراود أردوغان للوصول إلى جمهوريات آسيا الوسطى ليستعيد أمنياته بتحقيق «تركيا العظمى» وهو حلم “عثماني” قديم راود أجداده أيضاً خاصة بعد مد خط غاز جديد لتزويد إقليم ناخسيفان الأذري بالطاقة.. والأهم والأخطر هو تواجد الكيان الصهيوني على حدود إيران من ناحية أذربيجان والتي تمتد لأكثر من 442 كم وهذه أول نتائج الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ولمنع إيران من الوصول برياً إلى أوروبا عبر الأراضي الأرمينية، ولإشغال طهران عبر حدودها مع كابول التي تزيد على 936 كم وأرمينيا 35 كم وباكستان 909 كم وتركيا 499 كم وتركمانستان 992 كم.

إذاً، وكما هو واضح يراد افتعال أزمة على الحدود الإيرانية- الأذرية، وقد تذهب إلى أبعد من ذلك، نزولاً عند رغبة واشنطن والغرب بالتعاون مع بعض المشيخات والنظام التركي لإشغال إيران من كل الجهات.. ومن على كل حدودها، خاصة من جهة باكو، بعد أن أمست «إسرائيل» أكبر مصدّر للأسلحة والطائرات المسيّرة، والتعاون الاستخباراتي والحرب الناعمة والسيبرانية.. وفي الوقت ذاته استيراد الغاز الأذري عبر جورجيا وصولاً لميناء جيهان التركي، وهذا ما أشار إليه وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان مؤخراً في مؤتمر صحفي مع نظيره الروسي لافروف على خليفة التوتر مع باكو: «إن المنطقة لا تحتمل مزيداً من التصعيد والاستفزازات، ولن نقبل بأي تحولات جيوسياسية في المنطقة، كما لن نقبل بتعزيز الحضور الإرهابي الصهيوني على حدودنا».

كل هذا دفع أردوغان إلى تسخين جبهة باكو لأنه أقل ما يُقال فيه إنه يعاني من عقد سياسية وتاريخية واستعلائية «عثمانية» ويلهث متمنياً صنع تاريخ جديد كاذب يعيد للأتراك أمجاد «السلاطين»، ولكنه يتغافل عن سياسات نظامه الإرهابي التوسعي.. فقد تحولت أنقرة في عصر نظامه «الإخواني» من «صفر مشاكل» كما يدّعي مع الجوار، إلى إعلان الحرب على الجميع لنشر التطرف؛ ليس في المنطقة العربية وحسب وإنما مع حدود بلاده في آسيا الوسطى، مستعيناً هذه المرة بالكيان الصهيوني لمساعدته في تحقيق أضغاث أحلامه، لكن رسالة القائد خامنئي وصلت لأنقرة وتل أبيب ولكل من يريد العبث في حدودها بأن «بلدنا وقواتنا المسلحة يتصرفان بعقلانية واقتدار».

خلاصة القول: مناورة «الإخوان الصامدين» تخدم النظام التركي والكيان الصهيوني بمباركة غربية وبعض المشيخات.. وهذا جزء مما يحاك للمنطقة، ولكن هذا لم ولن ينطلي على محور المقاومة، وهو واعٍ لكل ألاعيب أردوغان وسنده الكيان الصهيوني، وسوف يفشل كما فشل في الملف السوري، والعراقي، والليبي، وسوف ينكفئ إلى حدوده كما انكفأ أجداده العثمانيون، بدءاً من البوابة السورية.. هذا مصير الاحتلال والاستيطان والتوسع ونهب حقوق الغير.

انظر ايضاً

وصلت الدولة.. الجميع بأمان- بقلم: شوكت أبو فخر

خلال أقل من أسبوع تمكنت لجان المصالحة في دير الزور من تسوية أوضاع المئات من …