نزعة الهيمنة!!- بقلم: علي نصر الله

كل النزاعات الإقليمية والدولية، جميع أشكال التوتر في العلاقات الدولية، السياسية والاقتصادية والعسكرية، لو قُدر لمركز دراسات يَحتكم للقانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة، أن يبحث في أسبابها، فإنه سينتهي لنتيجة واحدة تُشير بالاسم إلى الولايات المتحدة ليس كطرف مُتهم بتفجير النزاعات وإثارة التوتر، بل ليثبت بالأدلة القاطعة أنها الجهة الوحيدة والحصرية التي تتحمل المسؤولية عن المشكلات القائمة في الأمن الدولي وعدم الاستقرار العالمي.

سياسات الولايات المتحدة التي تُترجم سلوكاً شاذاً يَزدري القانون الدولي، لا تجعل العالم فقط في حالة أقل ما يُقال فيها: أنه ليس آمناً وغير مُستقر، إنما تجعل بُنيته التي تزعزعها واشنطن بمحاولات التدخل والتهديد والهيمنة والاحتواء بُنية أكثر هشاشة تتحرك نحو الأسوأ لينتج معها المزيد من النزاعات التي تعمق بدورها حالة التوتر، فتتسع بالضرورة دائرتها والمساحات التي تتيح لأميركا استمرار العبث والابتزاز والنهب على طريق السيطرة وفرض تحديات ومخاطر إضافية على جميع الأطراف وبكل الاتجاهات.

مؤتمر موسكو للأمن الدولي في دورته التاسعة ربما كَرر الكثير من المفاهيم التي درجَ على تأكيد أهمية التمسك بها منذ انطلاقته في العام 2012، وربما وقف على سواها من مُحددات ينبغي العناية بها لإجهاض محاولات التطاول الأميركية على القانون، ولوضع آليات تردع -من جهة- واشنطن عن استخدام القوة وتحافظ -من جهة أخرى- على الحد الأدنى من قوّة القانون الذي يتلاشى يوماً بعد آخر فتتآكل فاعليته في ظل استسلام قوى عالمية لإرادة الشر والطغيان الأميركية وإعلانها الالتحاق بها!.

انتهى مؤتمر موسكو، وغادر المشاركون فيه وهم يَزدادون إيماناً بدقة وصوابية الرؤى المطروحة التي ترددَ صداها في الآفاق. وبانتظار تَبللور شكل التعاون بين الدول المشاركة الذي من شأنه أن يؤدي إلى بلوغ الغايات التي عُقد من أجلها، ستدفع الولايات المتحدة بالنزاعات القائمة إلى مزيد من التعقيد الذي يضمن تفجر نزاعات أخرى بمعنى الاشتقاق، وبالتوازي فإنها على نحو مؤكد لن تفسح المجال أمام محاولات الطرف الآخر باتجاه تحسين العلاقات الدولية، وإنّ الشاهد على ذلك يتجلى بما يجري من عبث أميركي-أطلسي لا يتوقف على الساحة الدولية.

كان من المُهم جداً انعقاد مؤتمر موسكو للأمن الدولي بعد لقاء بوتين-بايدن، ذلك أنّ معظم الملفات الخلافية الروسية-الأميركية، والأميركية-العالمية، بقيت مُعلقة قائمة، وبعيدة عن أي مُقاربات تقود لتوافق على إمكانية إيجاد حلول لها بالحوار الذي لا تؤمن به واشنطن ولا تَحضر على موائده إلا لإعدام فرصه بالنجاح حتى عندما تكون مُضطرة له إما بسبب إخفاقها أو لأسباب أخرى تتعلق بتنامي قوة الآخر الذي تستهدفه!.

إنّ محاولة ردع الولايات المتحدة وتحجيمها وجعلها تنكفئ عن مخططاتها في فرض السيطرة، ستبقى أقل من أن تُحقق المطلوب عالمياً ما لم تُخاطب القوى المؤثرة إقليمياً ودولياً واشنطن باللغة التي تفهمها.. وواشنطن لا تفهم إلا لغة القوة والمصالح، هذا ما ثبتَ بالدليل والبرهان في غير مَطرح وحالة، وأكثر من مرّة على الأقل خلال العقود الأخيرة التي اعتقدت فيها أنها القطب الأوحد للعالم، ولها أن تصنعَ في أربع جهاته ما تشاء مُنفردة وبطريقتها الخاصة.

“بريكس”، “شانغهاي”، “آسيان”، كصيغ وجدت لمواجهة الطغيان والعنجهية والإرهاب الاقتصادي الأميركي، قد يكون مُجدياً الاشتغال على الإحياء لها وتَفعيلها على نحو آخر أكثر تشدداً، غير أنّ ذلك لن يكون كافياً ما لم تَجد القوى الدولية والإقليمية المَعنية بالصراع مع أميركا والتي تُشكل أكثر من ثلثي القوّة العالمية اقتصادياً وبشرياً صيغة عسكرية مُوازية لا تبحث عن الحرب والمُواجهة المباشرة، لكنها ستكون قادرة – إذا جرى تشكيلها – على دفع واشنطن للتخلي عن نزعة الهيمنة، وإجبارها على احترام القانون الدولي.

انظر ايضاً

انتصارات تشرين تتجدد-بقلم: ناصر منذر

بعد 48 عاماً على ذكرى حرب تشرين التحريرية، لا يزال الانتصار الذي حققه أبطال الجيش …