بروكسل-سانا
تسارع دول الاتحاد الأوروبي خطواتها لبناء منظومة دفاعية متكاملة ضد الطائرات المسيّرة، عبر إطلاق مبادرة الدفاع الأوروبية ضد الطائرات دون طيار (إي دي دي آي)، في تحول استراتيجي يهدف إلى تعزيز قدرات الإنتاج الصناعي لأنظمة الطائرات غير المأهولة وتطوير وسائل التصدي لها، مع تزايد دور المسيّرات في الحروب الحديثة.
ويأتي هذا التوجه ضمن موجة استثمارات دفاعية أوروبية متسارعة، إذ أعلنت فرنسا تخصيص 8.5 مليارات يورو لزيادة مخزون الطائرات المسيرة والصواريخ بنسبة 400% قبل عام 2030، بينما قررت ألمانيا استثمار 10 مليارات يورو في هذا المجال، إلى جانب برامج مماثلة في بولندا.
ويشير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات إلى أن الحروب الحديثة باتت تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة، مع استهلاك أوكرانيا نحو تسعة آلاف طائرة يومياً، ما يعكس فجوة واضحة بين سرعة الاستهلاك وقدرات الإنتاج، ويدفع أوروبا إلى تسريع بناء صناعة عسكرية واسعة النطاق.
أداة منخفضة الكلفة عالية التأثير
وأصبحت الطائرات المسيرة خلال السنوات الأخيرة عنصراً محورياً في العمليات العسكرية، بفضل كلفتها المنخفضة وقدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم بدقة وسرعة.
كما أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية أن الطائرات الصغيرة باتت قادرة على توجيه الضربات خلال دقائق، في حين عززت النماذج القتالية الأكبر قدرتها على استهداف البنى العسكرية الحيوية.
ويبرز في هذا السياق اختلال اقتصادي واضح بين كلفة الطائرات المسيّرة منخفضة السعر وكلفة وسائل اعتراضها المرتفعة، ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن حلول دفاعية أكثر كفاءة وأقل كلفة.
منظومة دفاع متعددة الطبقات
يوضح المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات أن مبادرة ( إي دي دي آي) تهدف إلى إنشاء منظومة دفاع جوي أوروبية متعددة الطبقات بزاوية 360 درجة قادرة على كشف الطائرات المسيّرة وتتبعها واعتراضها، مع تعزيز التشغيل البيني، بين أنظمة الدول الأعضاء، لحماية المجال الجوي والبنى التحتية الحيوية.
وتعتمد المبادرة على تقنيات الاستشعار والذكاء الاصطناعي وشبكات المراقبة المتقدمة، ضمن تعاون أوروبي مع الناتو لتعزيز مراقبة الجناح الشرقي للقارة، في ظل تزايد حوادث اختراق المجال الجوي والطائرات غير المأهولة، والتي تضاعفت قرب المنشآت الحيوية خلال العامين الماضيين.
فجوة إنتاجية وتحول صناعي أوروبي
ويلفت المركز إلى أنه رغم ارتفاع الاستثمارات، لا يزال الاتحاد الأوروبي يغطي أقل من 30% من احتياجاته من الطائرات المسيرة، ما دفعه إلى إطلاق برامج لتسريع الإنتاج، بالاعتماد على تحالف صناعي مع أوكرانيا يهدف إلى توسيع التصنيع داخل أوروبا والوصول إلى أكثر من مليوني طائرة سنوياً بحلول عام 2030.
كما يشمل التوجه إشراك قطاعات صناعية مدنية مثل السيارات والإلكترونيات والشركات الصغيرة والمتوسطة، بهدف خفض التكاليف وتسريع الابتكار.
نحو سيادة تكنولوجية أوروبية
وتسعى الاستراتيجية الأوروبية إلى تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين في المكونات الأساسية للطائرات المسيّرة، مثل أشباه الموصلات وأنظمة الاتصالات، ضمن مسار أوسع لتعزيز “السيادة التكنولوجية” في المجال الدفاعي.
ووفق المركز تشمل الخطة أربع أولويات رئيسية: زيادة الإنتاج، تحسين الكشف المبكر للتهديدات، تعزيز الاستجابة الدفاعية المنسقة، ورفع الجاهزية العسكرية، مع تطوير أنظمة مراقبة تعتمد على الذكاء الاصطناعي وشبكات الجيل الخامس.
ورغم هذا التقدم، تبقى السياسات الدفاعية ضمن صلاحيات الدول الأعضاء، ما يخلق تبايناً في المشتريات والقدرات، إذ تتم نحو 80% من عمليات الشراء الدفاعي على المستوى الوطني، وهو ما قد يبطئ بناء منظومة أوروبية موحدة.
وتعكس مبادرة (إي دي دي آي) بداية تحول في العقيدة الدفاعية الأوروبية نحو الإنتاج الكمي السريع والأنظمة الذكية والشبكية، حيث يتوقع مع تسارع الاستثمارات أن تصبح الطائرات المسيرة محوراً أساسياً في إعادة تشكيل القدرات العسكرية الأوروبية خلال السنوات المقبلة.