ميونيخ-سانا
على وقع مشهد دولي مثقل بالحروب والشكوك، من الحرب الروسية الأوكرانية المفتوحة إلى تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، تختتم اليوم الأحد أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن 2026، في لحظة حرجة تشهد اختبارات غير مسبوقة لوحدة الغرب.
فقد تحول المؤتمر هذا العام إلى منصة مكاشفة سياسية بين ضفتي الأطلسي، حيث ناقش القادة والمسؤولون من أكثر من ستين دولة ملفات استراتيجية شملت الحرب الروسية الأوكرانية، ومستقبل الردع الأوروبي، وأمن الطاقة والهجرة، وصولاً إلى إعادة تعريف العلاقة عبر الأطلسي، وكان السؤال الأبرز: كيف ستبدو الشراكة الأمريكية الأوروبية في السنوات المقبلة؟
أوكرانيا.. تضييق هوامش الحرب
وشكّلت الحرب الروسية الأوكرانية محور النقاشات الرسمية واللقاءات الجانبية، حيث أشار الوفد الأمريكي إلى تقدم في تضييق نقاط الخلاف ضمن المسار التفاوضي، مع الإقرار بأن القضايا الأكثر حساسية لا تزال عالقة، وخصوصاً ما يتعلق بالترتيبات الإقليمية ومستقبل المنشآت الاستراتيجية.
وفي المقابل، أبدت عواصم أوروبية حذراً واضحاً حيال أي تسوية قد تُفهم على أنها تنازل استراتيجي لموسكو.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس أوضح خلال افتتاح المؤتمر: “علينا الاستثمار في قدراتنا الدفاعية وبناء شراكات جديدة مع الديمقراطيات الناشئة، مع الحفاظ على علاقة متبادلة النفع مع الولايات المتحدة، التي تبقى شريكاً وحليفاً”.
دعم متبادل أم إعادة توزيع أدوار؟
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو شدد على أهمية أوروبا قوية قادرة على الدفاع عن نفسها، مؤكداً أن قوة التحالف لا تُقاس بوحدة المواقف الخارجية فحسب، بل بمتانة الجبهة الداخلية.
أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فقالت: “القوة الأوروبية تعزز التحالف عبر الأطلسي، ويجب أن نصبح أكثر استقلالية في الدفاع والطاقة والاقتصاد والتكنولوجيا الرقمية”.
النقاشات تطرقت إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية ضمن الإطار الأطلسي، سواء عبر تسريع برامج التصنيع العسكري أو البحث في آليات ردع أكثر تكاملاً، كما أعيد طرح موضوع الردع النووي المؤجل منذ فترة، في إشارة إلى تحوّل المزاج الاستراتيجي الأوروبي نحو تقليل الاعتماد على الحماية التلقائية الأمريكية.
نظام دولي في طور التشكّل
وركّز تقرير ميونيخ السنوي لعام 2026 على التحولات التي يشهدها النظام الدولي، مؤكداً أن العالم دخل مرحلة انتقالية قد تطول وتعيد رسم توازنات القوة العالمية.
وأشار التقرير إلى تصاعد النزعات القومية، واستخدام الاقتصاد والتكنولوجيا كأدوات ضغط جيوسياسي، وتآكل الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف، ليصبح السؤال المطروح ليس كيف يمكن إصلاح النظام الدولي القائم، بل كيف يمكن إدارة مرحلة انتقالية تحت ضغط الوقائع الميدانية والتحولات السياسية.
التحديات الأمنية غير التقليدية
ولم تقتصر المناقشات على الملفات العسكرية التقليدية، بل شملت الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وحماية البنى التحتية الحيوية، وأمن سلاسل التوريد، إضافة إلى الأمن المناخي والطاقة، وعكست هذه التوجهات مفهوم “الأمن الشامل” الذي يمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية، بما يعزز قدرة أوروبا على مواجهة التحديات المعقدة والمتشابكة.
يبدو مؤتمر ميونيخ 2026 أقرب إلى محطة تقييم استراتيجية منه إلى منتدى تقليدي للنقاش، فالحرب في أوكرانيا لم تُحسم بعد لكنها دخلت مرحلة حسابات سياسية دقيقة، والشراكة الأمريكية الأوروبية لم تتصدع لكنها تخضع لإعادة توزيع أدوار واضحة، فيما تتحرك أوروبا بخطوات متسارعة لتعزيز موقعها الدفاعي في عالم أقل قابلية للتنبؤ وأكثر عرضة للتحولات المفاجئة.