بروكسل-سانا
في ظل العلاقات المتقلبة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، عادت هواجس التبعية العسكرية لواشنطن إلى الواجهة مجدداً، لتثير تساؤلات جوهرية حول قدرة القارة على حماية نفسها، وسط دعوات متزايدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجالي الدفاع والطاقة.
تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة لحلفائه أثارت قلقاً واسعاً في الأوساط السياسية والأمنية ببروكسل، وخصوصاً بعد أن أعاد إلى الأذهان سيناريو عام 2017 حين لوّح بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ليعود اليوم إلى إطلاق تحذيرات مشابهة بالتوازي مع انسحابه من عشرات الاتفاقات والمنظمات الدولية.
خيار محفوف بالمخاطر
تقلبات المواقف الأمريكية دفعت الأوروبيين إلى التشكيك في متانة التزام واشنطن تجاه حلفائها، وجعلت الاعتماد عليها خياراً محفوفاً بالمخاطر.
وفي هذا السياق، شددت الخبيرة الألمانية في الشؤون الأمنية ورئيسة مكتب برلين للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، يانا بوغليرين، على أن طريق أوروبا نحو الاستقلال العسكري طويل ومكلف، ويحتاج إلى صبر سياسي، مرجحة أن يستغرق ما لا يقل عن خمس سنوات لتقليص الاعتماد على واشنطن.
بوغليرين أوضحت أن المشكلة لا تكمن في حجم الجيوش أو عدد الجنود، بل في نقص القدرات الاستراتيجية الأساسية التي تعتمد فيها أوروبا بشكل كامل على الولايات المتحدة، لافتةً إلى أن عودة ترامب إلى المشهد السياسي، وما يرافقها من تهديدات وتصريحات، جعلت نموذج الناتو المستقر الذي اعتادت عليه أوروبا منذ عقود غير مضمون على الإطلاق.
البعد العسكري والطاقة معاً
التحدي الأوروبي يتفاقم بفعل الصناعات الدفاعية المجزأة وغياب الطاقة الإنتاجية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، لكن القلق لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى ملف الطاقة، حيث بات الاتحاد الأوروبي يشعر بوطأة اعتماده على الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة، في ظل تقلبات السياسة الأمريكية.
وأمام هذا الواقع، سارعت الدول الأعضاء إلى إعداد خطط بديلة لتنويع مصادر الإمداد، عبر فتح مسارات جديدة مع شركاء مثل كندا وقطر ودول شمال إفريقيا، في محاولة لتعزيز أمن الطاقة بعيداً عن الرهانات الأمريكية.
وفي ضوء التباينات بين واشنطن وبروكسل بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تقييم العلاقات عبر الأطلسي، ليس كخيار سياسي بل كضرورة استراتيجية، وخصوصاً في قطاعي الدفاع والطاقة، حيث يتحدد مستقبل استقلالية القرار الأوروبي.