دمشق-سانا
تواجه الحرف السورية التراثية تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على قيمتها التاريخية والثقافية من جهة، وتأمين عائد اقتصادي لحرفييها يوازي الجهد والوقت والمهارة اللازمة لإنتاجها من جهة أخرى، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى تطوير آليات التسويق، وفتح الأسواق الخارجية، وتشجيع بناء علامات تجارية للحرف السورية، بما يسهم في تحويل القيمة التراثية لهذه المنتجات إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وتبرز مشاركتها في معرض دمشق الدولي بدورته الـ63 كأهم المنصات الاقتصادية التي تتيح للحرفيين عرض منتجاتهم والتعريف بالحرف السورية أمام الزوار والمهتمين، وفتح قنوات جديدة للتواصل مع الأسواق المحلية والخارجية، ولا سيما الأسواق التي تتمتع بقوة شرائية قادرة على اقتناء المنتجات الحرفية ذات القيمة الفنية والتراثية العالية.
فن العجمي.. قيمة تراثية لا يوازيها العائد المحلي
ومن الحرفيين المشاركين في المعرض، أكد الحرفي محمد طلال تقي الدين، العامل في فن الزخرفة النباتية على الخشب المعروف بـ”فن العجمي” لـ سانا، أهمية تسليط الضوء على هذه الحرفة التراثية التي تشتهر بها دمشق، ولا سيما في البيوت العربية القديمة، مبيناً أن إنجاز القطعة الواحدة يحتاج إلى جهد ووقت ومهارة كبيرة للوصول إلى تفاصيلها النهائية.

وأوضح تقي الدين أن فن العجمي يعد من الفنون التراثية التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام والدعم، محذراً من خطر اندثاره نتيجة تراجع العائد الاقتصادي الذي يحصل عليه الحرفي مقارنة بحجم الجهد المبذول، لافتاً إلى أن الحفاظ على هذه الحرفة يتطلب إيصال منتجاتها إلى أكبر عدد ممكن من الأسواق والشرائح المهتمة بها.
وأشار تقي الدين إلى أن الأسواق الخليجية تمثل إحدى الأسواق المستهدفة للمنتجات الحرفية السورية، نظراً لما تتمتع به من قوة شرائية، مبيناً أن منتجات فن العجمي يمكن أن تجد أسواقاً في المجالس والقصور، سواء على شكل قاعات وكراس عربية أو لوحات وقطع فنية وتراثية.
ضعف القوة الشرائية يوسع الفجوة بين الجهد والسعر
وحول العلاقة بين تكلفة المنتج والجهد المبذول في إنجازه، بيّن تقي الدين أن السعر الذي يحصل عليه الحرفي في السوق المحلية لا يعكس القيمة الفعلية للجهد والوقت والمهارة، نتيجة ضعف القوة الشرائية، الأمر الذي يدفع الحرفيين إلى البحث عن أسواق خارجية تستطيع استيعاب المنتجات بأسعار توازي قيمتها الفنية.
ولفت إلى أن القيمة التراثية للمنتجات الحرفية لا تجد اهتماماً كافياً في السوق المحلية، بسبب محدودية القدرة الشرائية واقتصار اقتناء هذه المنتجات على شريحة محدودة، إضافة إلى محدودية المشاريع التي يمكن أن تستفيد من هذه الأعمال، معرباً عن أمله بمزيد من الدعم للحرفيين خلال المرحلة الحالية، بما يمكنهم من الاستمرار والحفاظ على هذه المهن ونقلها إلى الأجيال القادمة.
حفر الخشب والتطعيم.. حرفة عمرها نحو 600 عام
بدوره، أوضح الحرفي عصام طلب العامل في حفر الخشب وتطعيمه بالفضة والصدف، أن هذه المهنة تمتد لنحو 600 عام، وشهدت تطوراً عبر العصور نتيجة البصمات والإضافات التي قدمها الحرفيون، حتى أصبحت أكثر انتشاراً ووصلت منتجاتها إلى الأسواق الخارجية، ولا سيما في الدول الغربية.

وبيّن طلب أن الظروف التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية انعكست على الحرف اليدوية، وأدت إلى تراجع أعداد العاملين فيها، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وارتفاع أسعار القطع مقارنة بمستوى دخل المواطن السوري، لافتاً إلى أن تراجع السياحة أثر بشكل مباشر في حركة هذه المهنة.
وحذر طلب من أن استمرار تراجع التسويق قد يؤدي مع مرور الوقت إلى اندثار الحرفة، داعياً إلى زيادة الاهتمام الرسمي بها، واستقطاب الوفود والمهتمين بالمنتجات التراثية، وتعريفهم بالحرفيين ومنتجاتهم، بما يتيح بناء علاقة مباشرة بين المنتج والمشتري بعيداً عن الوسطاء.
التسويق المباشر يحفظ حصة الحرفي من القيمة
وأشار طلب إلى أن وجود الوسيط التجاري بين الحرفي والمستهلك يؤدي في كثير من الحالات إلى حصول الحرفي على عائد محدود مقارنة بالسعر النهائي الذي تباع به القطعة، معتبراً أن تعزيز التسويق المباشر يمكن أن يرفع حصة الحرفي من القيمة التي تحققها منتجاته.
وأكد أن الوصول إلى الأسواق الخارجية لا يحتاج فقط إلى إنتاج قطع ذات جودة عالية، وإنما إلى تطوير قنوات التسويق والتعريف بالمنتجات والحرفيين، بما يتيح للمنتج السوري الوصول إلى المشتري النهائي ويحافظ في الوقت نفسه على استمرارية الحرفة.
الحرف التراثية.. ذاكرة اقتصادية وثقافية لسوريا

بيّن الحرفي أحمد راتب الضعضي العامل في صناعة الثريات والفوانيس النحاسية، أن الحرفيين السوريين يعانون حالياً من ضعف التصدير والتسويق، داعياً إلى أن يكون التصدير أكثر ارتباطاً بالحرفي مباشرة، بحيث تصل المنتجات من المنتج إلى الجهة الراغبة بالشراء دون تعدد الوسطاء، بما يضمن حصول الحرفي على عائد يتناسب مع قيمة عمله.
وأوضح أن الحرف اليدوية السورية لا تقتصر قيمتها على الجانب الاقتصادي، وإنما تمثل جزءاً من تاريخ البلاد وهويتها الثقافية، مستشهداً بحرف الزجاج والفخار والنحاسيات وغيرها من المهن التي تعود إلى عصور قديمة، والتي شكلت عبر الزمن جزءاً من الصورة الثقافية والحضارية لسوريا.
تدريب الأجيال الجديدة شرط لاستمرار الحرفة
وشدد الضعضي على أهمية إدخال الحرف التراثية في برامج التدريب والتعليم، ولا سيما خلال العطل الصيفية، لإتاحة الفرصة أمام الأطفال والشباب للتعرف إلى هذه المهن وتعلم أساسياتها، مبيناً أن عدداً كبيراً من الحرفيين تعلموا المهنة من آبائهم وأجدادهم، وأن استمرار هذا التسلسل التعليمي بات يحتاج إلى دعم مؤسساتي.
ولفت إلى أن كثيراً من الحرف السورية اندثرت بسبب غياب التدريب، وعدم انتقال الخبرات إلى جيل جديد، مشيراً إلى أن سوريا تضم أكثر من 35 مهنة تراثية يدوية، في حين أن معرفة الشباب بهذه المهن ما زالت محدودة.
وأشار إلى أن بعض الحرف التي كانت موجودة في سوريا لم يعد لها ممارسون اليوم، ومنها بعض أشكال صناعة الزجاج وتطعيم النحاس وتنزيل المينا على النحاس، مؤكداً أن اندثار الحرفة يعني فقدان جزء من الذاكرة التاريخية للبلاد.
وتظهر تجارب الحرفيين أن تطوير الحرفة السورية لا يرتبط بالحفاظ على شكلها التقليدي فقط، وإنما بتحويلها إلى منتج اقتصادي قادر على الوصول إلى الأسواق، من خلال تطوير التصاميم بما يحافظ على الهوية التراثية، وتحسين أساليب التغليف والعرض، وبناء علامات تجارية تعرف بالمنتج السوري، والاستفادة من التسويق الإلكتروني للوصول المباشر إلى المستهلكين في الأسواق الخارجية.
وتستمر فعاليات الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي حتى الرابع من أيلول المقبل، بمشاركة نحو ألف جهة تمثل قرابة 60 دولة، وتشمل شركات محلية وعربية ودولية، ووزارات وهيئات ومؤسسات عامة، وغرف تجارة ومجالس أعمال، وجهات استثمارية وخدمية.













