دمشق-سانا
سلّط اللقاء العلمي الذي أقيم اليوم الثلاثاء في القاعة الشامية ضمن رحاب المتحف الوطني بدمشق، الضوء على الجهود الدولية والمحلية المبذولة لإعادة ترميم المواقع الأثرية في مدينة تدمر، وذلك تحت عنوان “تدمر وأصوات من تدمر: التراث الرقمي والمشاركة المجتمعية والدور الاجتماعي للبحث العلمي”.
جهود دولية ومحلية

وأكد كارلوس سيرانو فاسكيز، مدير البرامج في منظمة أليف ، أهمية الحفاظ على التراث السوري وصونه، مشيراً إلى حرص المنظمة على دعم الجهود المبذولة لحماية التراث في سوريا والعراق باعتباره ركناً أساسياً من الهوية والاستمرارية الثقافية، ولفت إلى أن التعاون مع المنظمة يتيح الاستفادة من خبراتها وتحديد الاحتياجات والأولويات الخاصة بالمواقع التراثية.
وبيّن فاسكيز أن المشروع يحظى باهتمام محلي ودولي واسع، بمشاركة خبراء ومتخصصين وشركاء من عدة دول، إلى جانب المجتمع المحلي، مؤكداً أن هذا التعاون يعزز فاعلية العمل ويوسّع فرص حماية التراث السوري للأجيال القادمة.
تطوير المتحف الوطني
وتضمّن اللقاء عرضاً تعريفياً لمراحل تطوير المتحف الوطني في تدمر، التي بدأت بتقييم أولي للموقع بهدف تحديد الأولويات ووضع خطة متكاملة للحفاظ عليه وتأهيله، وشملت المرحلة الأولى تنفيذ أعمال صيانة عاجلة، ومعالجة الأضرار التي لحقت بالعناصر المعمارية، وتحسين أنظمة العرض والتكييف ومحيط المتحف.
كما أوضحت المنظمة أن مدة المشروع تمتد لخمس سنوات، ويهدف إلى استعادة المتحف لدوره الثقافي والسياحي، وتطوير أساليب العرض المتحفي باستخدام تقنيات افتراضية وتفاعلية حديثة، بما يعرّف الزوار بتاريخ المنطقة وتنوعها البيئي والحضاري، ويسهم في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية وخلق فرص عمل وتعزيز التعاون مع المجتمع المحلي.
مقاربة تشاركية حديثة

وتناول المحاضر في جامعة لوزان، باتريك مكسيم ميشيل، خلال اللقاء، آليات تنفيذ المشروع عبر مقاربة تشاركية تجمع بين التوثيق الرقمي والتقنيات الحديثة والمجتمع المحلي، إلى جانب الجامعات والمؤسسات الثقافية الدولية، وأوضح أن المشروع لا يركّز على مرحلة تاريخية واحدة، بل يسعى إلى تفكيك النظرة الأحادية للتراث وإبراز المراحل المتعاقبة التي شهدها الموقع واستخداماته المختلفة، بما يعكس علاقته بالمجتمع ودوره في تشكيل الذاكرة الثقافية.
كما شملت المرحلة الأولى أعمال توثيق رقمية للعناصر الأثرية مفقودة، بالاستناد إلى الصور والوثائق التاريخية، وإنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد تتيح للطلاب والباحثين والزوار التعرف إلى تفاصيل الموقع، مع التأكيد على أن هذه النماذج تمثل إعادة بناء افتراضية وليست بديلاً عن الأثر الأصلي.
وأشار ميشيل إلى أهمية إشراك المجتمع المحلي واللاجئين والمجتمعات المقيمة في الخارج في مشاريع حفظ الذاكرة، عبر أنشطة تعليمية وفنية أعادت توظيف زخارف وعناصر مستوحاة من الموقع على الأقمشة والمواد التعليمية، بما يحوّل التراث من مادة أثرية جامدة إلى ذاكرة حية مرتبطة بالناس، وتم كذلك توظيف تقنيات الواقع الافتراضي لإتاحة جولات داخل الموقع والتعرف إلى مخططاته وتفاصيله المعمارية، بما يساعد على تجاوز العوائق التي تحول دون الوصول إلى بعض المواقع الأثرية ويوفر وسيلة تعليمية وتفاعلية جديدة.
وختم ميشيل بالتأكيد على أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات تكمن في معناها بالنسبة إلى المجتمع، وفي قدرتها على تعزيز المشاركة والتعلم، مشيراً إلى استمرار التعاون مع الجامعات والشركاء الدوليين لتنفيذ مؤتمرات ومشاريع توعوية وبحثية تسهم في حماية التراث ومواجهة آثار التطرف والتدمير.
ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة علمية نصف شهرية تهدف إلى تعزيز التعاون بين منظمة أليف والمجتمع المحلي في تدمر، بما يسهم في دعم مشاريع صون التراث في المناطق المتضررة جراء الحروب، ويؤكد دور وجهاء المدينة وأعيانها في الحفاظ على ذاكرة المكان واستعادة حضورها الثقافي.


