دمشق-سانا
ليكتب في باكورته كأن الريح تحتي، ما لا تستطيع التقارير قوله عن الخوف والفقد والاقتلاع، وعن إنسان فقد ثبات الأرض كما فقد استقرار المكان.
أمضى الصحفي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت الصحافة أضيق من أن تتسع لما خلّفته التجربة في الداخل الإنساني، الأمر الذي دفعه إلى الانتقال إلى الرواية.
وفي باكورته «كأن الريح تحتي»، يكتب أمين ما لا تستطيع التقارير قوله عن الخوف والفقد والاقتلاع، وعن إنسان فقد ثبات الأرض كما فقد استقرار المكان.
صدرت الرواية عام 2026 عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع بدمشق، واتخذت من زلزال شباط 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا لحظة مفصلية، تتكشف عندها حيوات شخصيات مثقلة أصلاً بالخوف والغربة، وفي مقدمتها محمود الغريب وندى الشوّا.
عنوان معلّق فوق القلق
عنوان الرواية ليس تسمية عابرة، فهو يستدعي قول المتنبي:
على قلق كأن الريح تحتي أوجهها جنوباً أو شمالا
لكن القلق ينتقل هنا من حركة الشاعر وترحاله إلى حالة وجودية يعيشها السوري الذي لم تعد الأرض تحته مستقرة، لا بالمعنى الجغرافي ولا النفسي، حيث يحيل العنوان إلى تيه السوري بعد أن خلخلت سنوات الحرب والانتماء معنى المكان، ثم جاء الزلزال ليضاعف فقدان اليقين.
ويكمل الغلاف هذه العتبة، إذ تتجاور فيه درجات الأحمر والبرتقالي والعتامة مع نافذة وعناصر منزلية ساكنة، في مفارقة بين دفء البيت الظاهر وهشاشة الأمان الذي تهدده الرواية من الداخل.
كما تكشف التجربة انتقال أمين من لغة الصحافة إلى فضاء أرحب، من دون أن يتخلص كلياً من أثر المهنة، فحضر الأسلوب الصحفي في تقديم بعض الشخصيات والتفاصيل، بما يمنح السرد ملمحاً توثيقياً وواقعية قريبة من الحياة.
زلزالان يهزان المصير
قوة الرواية الأساسية تقوم على جدلية زلزالين: زلزال طبيعي يهدم الجدران في شباط 2023، وزلزال سياسي واجتماعي سبق ذلك بسنوات وأعاد تشكيل حياة السوريين ومصائرهم، فالحدث الطبيعي انتقل من كونه مجرد خلفية درامية، إلى لحظة فارقة تكشف ما تراكم في الشخصيات من خوف واغتراب وخيبات، فالزلزال، كما تقدمه الرواية، يحرّك الأرض ويوقظ الذاكرة.
ومن خلال هذا التداخل بين الحاضر وذاكرة الثورة، يتحول المكان في جنوب تركيا من ملاذ بعد النزوح إلى فضاء مهدد بدوره؛ وكأن الشخصية السورية تكتشف أن النجاة من مكان لا تعني الوصول إلى مكان آمن، وهي مفارقة تضع الرواية ضمن سرديات الكارثة واللجوء، لكن خصوصيتها تأتي من جعل الكارثة الطبيعية مرآة لكارثة إنسانية سبقتها.
الرواية مساحة لما عجزت عنه الصحافة
في تصريح لـ سانا، أوضح محمد أمين أن الرواية تمثل تجربته الأولى في عالم السرد بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل الصحفي، وأنه كتبها على مدى عام في أربيل عقب انتقاله إليها بعد أيام من الزلزال.
وقال: “كان لدي الكثير مما ولّد الزلزال وسنوات الغربة وفقدان الأمل في نفسي، فلم أجد إلا الرواية مجالاً أدبياً يسمح لي بأن أعبّر عن مكنوناتي الداخلية”.
وأشار إلى أن عدداً من شخصيات العمل يستند إلى تجارب إنسانية حقيقية عاش أصحابها تفاصيل الثورة واللجوء والزلزال، موضحاً أن الرواية تقوم على فكرة “الزلزالين”: زلزال الثورة وما أحدثه من تحولات إيجابية في الوطن، وزلزال الأرض وما خلّفه من أثر مباشر في الفرد.
ويرى أمين أن إنقاذ بطلة الرواية من تحت الركام يحمل دلالة رمزية تتجاوز الحدث المباشر، ليحيل إلى إمكانية إنقاذ وطن كامل من آثار سنوات طويلة من الألم، مؤكداً أن الرواية، على الرغم من ثقل موضوعاتها، تبحث عن نور في نهاية النفق وعن قدرة الإنسان على النهوض.
شخصيات بلا بطولة زائفة
في قلب الرواية يقف محمود الغريب وندى الشوّا، كشخصيتين تحملان الخوف والحب والتردد والخيبة، وتمنحهما هذه الهشاشة بعداً إنسانياً يتجاوز تقسيم الشخصيات إلى منتصرين ومنكسرين.
ورأى الكاتب والناقد محمد منصور أن أمين يبتعد عن مثالية الشخصيات، ويصوغ نماذج مشبعة بنكهة الحياة الحقيقية، بما فيها من تناقض وضعف وانكسار، مع إبقائها مرتبطة بتحولات الثورة السورية، كما اعتبر الزلزال أداة درامية تكشف جوهر الشخصيات بدلاً من أن يكون حدثاً خارجياً فقط.
وهنا يظهر أثر الصحفي في التقاط التفاصيل، فيما تحاول الرواية تجاوز التسجيل إلى مساءلة ما تفعله الأحداث بالإنسان: كيف يتغير الحب تحت الخوف؟ وكيف يعاد تعريف الوطن حين يصبح المكان نفسه قابلاً للانهيار؟
النجاة أبعد من الركام
على الرغم من ثقل الموت والغربة والخسارة، لا تنتهي الرواية عند الخراب، فنجاة إحدى شخصياتها من تحت الركام تفتح باباً رمزياً على إمكان النهوض، وتجعل الأمل فعلاً مضاداً للفقد لا خاتمة له.
وهكذا تتحرك كأن الريح تحتي بين توثيق ذاكرة السوري وتخييلها، وبين صرامة الصحفي وحساسية الروائي، لتطرح سؤالاً أبعد من الزلزال ذاته: ماذا يبقى للإنسان حين تهتز الأرض التي يقف عليها والوطن الذي ينتمي إليه معاً؟ وربما تكمن إجابة الرواية في أن النجاة لا تعني الخروج من تحت الركام فحسب، بل القدرة على استعادة معنى الحياة بعده.