دمشق-سانا
استعاد الفيلم الوثائقي الطويل “استحبس- ليت السنة كانت 364 يوماً” للمخرج المراد ديب، مساء اليوم السبت، ذاكرة مجموعة من الناشطين الذين اعتقلهم النظام البائد في فرع 215 بدمشق أواخر عام 2013، وذلك خلال عرضه في نادي سينما جرمانا، بحضور صناع الفيلم وجمهور من المهتمين بالسينما والتوثيق والذاكرة.
وجاء عرض الفيلم في باكورة جولة محلية، ستقوده بين المحافظات، بعدما جال في مهرجانات دولية، في مقدمتها مهرجان فيزيون دو رييل في سويسرا، قبل مشاركته في مهرجان ميونيخ السينمائي، حيث نال جائزة الجمهور ضمن مسابقة السينما الثورية.
ذاكرة سبعة أصدقاء في المعتقل

ينطلق “استحبس” من تجربة شخصية عاشها المخرج ورفاقه، ويروي قصة مجموعة من الناشطين في تجمع الشباب السوري الثائر، الذين تعرضوا للاعتقال عام 2013، بينما قضى سبعة منهم في المعتقلات.
ويقدم العمل في 83 دقيقة استعادة واقعة الاعتقال، ويتتبع أثرها في ذاكرة الناجين وعائلات المعتقلين والمغيبين، محولاً التجربة الفردية إلى شهادة سينمائية على مرحلة تركت آثاراً عميقة في ذاكرة حي ركن الدين ودمشق.
ويحمل عنوان الفيلم دلالة مستمدة من تعبير استخدمه أحد رفاق المخرج في المعتقل، فيما يشير العنوان الفرعي “ليت السنة كانت 364 يوماً” إلى الأمنية المرتبطة بليلة رأس السنة التي سبقت الاعتقال، والتي لم يتمكن الأصدقاء من استكمالها معاً.
ويعتمد الفيلم على لغة بصرية مقتصدة، وعلى صوت المخرج في سرد التجربة، مع حضور واضح للأمكنة التي عاش فيها الأصدقاء حيث ترك غيابهم أثره المؤلم في عائلاتهم وحيهم. وبهذا يتحول المكان من خلفية للأحداث إلى عنصر أساسي في استعادة الذاكرة.
محاولة لنقل جزء من الحقيقة

وأوضح المخرج المراد ديب في تصريح لـ”سانا” أن الفيلم يمثل تجربته الطويلة الأولى، بعد إنجاز عدد من الأفلام القصيرة خلال دراسته السينمائية في ألمانيا، لافتاً إلى أن خصوصية العمل تنبع من كونه يتناول قصته الشخصية وقصة أصدقاء ناشطين رافقهم لسنوات.
وبيّن أن التعامل مع الموضوع تطلب حساسية عالية، نظراً إلى طبيعته السياسية والإنسانية، مشيراً إلى أن الفيلم يتناول اعتقال مجموعة من الناشطين في ركن الدين وتجربتهم داخل فرع 215، وما رافق الاعتقال من ألم وعذاب.
وقال ديب: إن الفيلم موجّه أولاً إلى أصحاب تجربة الاعتقال والناجين من السجون، وإلى أهالي المعتقلين والمغيبين قسراً، في محاولة لتضميد بعض الجراح ونقل جزء من الحقيقة التي ظلت العائلات تنتظر معرفتها.
وأضاف: أن العمل يمثل كذلك صرخة من أجل العدالة الانتقالية، ومن أجل معرفة مصير هؤلاء الشهداء وحماية الذاكرة، مشيراً إلى اتساع ملف المغيبين قسراً وضرورة مواصلة توثيقه وملاحقته.
توثيق جماعي لشهادات المعتقلين الناجين

بدوره، أوضح مصطفى القر، أحد صناع الفيلم وأحد الناجين من الاعتقال، أن دوره لم يقتصر على ظهوره ضمن التجربة التي يرويها العمل، بل شارك أيضاً في الاشتغال على النص وصياغة الجمل التي يرويها الديب بصوته، إلى جانب تقديم استشارات خلال المونتاج.
وأشار القر إلى أن الفيلم لا يعتمد على التمثيل الدرامي بالمعنى التقليدي، بل يستند إلى تجربة واقعية وصور ومشاهد مرتبطة بالشخصيات والأماكن والذاكرة.
ولفت إلى أن رسالة الفيلم تتلخص في ضرورة توثيق وحفظ حكايات المعتقلين الذين غُيّبوا ولم يرووا تجاربهم، حيث انطلق صناع العمل من تجاربهم الشخصية لتقديم سينما واقعية قوامها ذاكرة جماعية لشباب جمعهم حلم التغيير والثورة، لتشكل قصة كل فرد منهم جزءاً لا يتجزأ من حكاية مجتمعية أوسع.
جولة عروض في المحافظات

ومن المنتظر أن يعرض الفيلم في حمص يوم 31 آب الجاري، ثم ينتقل إلى طرطوس واللاذقية وحماة، على أن تختتم الجولة بعرض عام في دمشق يوم 15 أيلول المقبل، حيث تنظم الجولة بدعم من مؤسستي أفلامنا واتجاهات – ثقافة مستقلة.
وسبق الجولة العامة عرض خاص في حي ركن الدين لأهالي الشباب الذين يتناول الفيلم قصتهم، باعتباره المكان الذي انطلقت منه الحكاية والنشاط الشبابي الذي جمع أصحاب الفيلم قبل اعتقالهم.
ويتجاوز فيلم “استحبس” قيمته الفنية ليكتسب أهمية استثنائية من تقاطعه بين الشهادة الشخصية، التوثيق السينمائي، والذاكرة الجماعية لحفظ حكايات المعتقلين في الوجدان السوري.
ويأتي عرضه اليوم في نادي سينما جرمانا ليؤكد دور الفضاءات الثقافية في احتضان سينما الواقع، وتحويل الصالات إلى منصات حية لمواجهة النسيان وترميم الذاكرة المشتركة.
