دمشق-سانا
تصدّر ملف “السلاح الكيماوي في سوريا” طاولة النقاش في المركز الثقافي العربي في برزة بدمشق مساء اليوم السبت، عبر جلسة حوارية بحثت في الآثار الممتدة لجرائم النظام البائد على الناجين والمجتمع، ودور الشهادات والتوثيق كأدوات أساسية لانتزاع العدالة ومواجهة محاولات إنكار الجرائم ومحو الذاكرة.

الحوار الذي أداره فارس المنجد من فريق حملة “لا تخنقوا الحقيقة”، جمع كلاً من بيان المالح الباحثة ومديرة المشاريع في منظمة النساء الآن للتنمية، وروعة حيدر الناجية ومنسقة الغوطة في الحملة، والدكتور أيمن منعم المستشار القانوني في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، وتوازى اللقاء مع معرض “نتذكر ونقاوم” الذي يوظف الفن كأداة حية لحفظ الذاكرة الجماعية للضحايا.
آثار مستمرة تتجاوز لحظة الهجوم
وأكدت الجلسة ،أن تداعيات السلاح الكيماوي تمتد لتشكل “جريمة مستمرة” تلاحق أجساد الناجين وحياتهم الاجتماعية، حيث توثق الدراسات أضراراً عضوية مزمنة، تعمقها حالات العزلة والاضطرابات النفسية، وتراجع الأوضاع المعيشية الناتجة عن فقدان فرص العمل.

وأوضحت الباحثة بيان المالح، أن هذه الكارثة الإنسانية ضربت مناطق سورية عدة متجاوزة حدود الغوطة، مشيرة إلى التباين الحاد في انعكاسات الصدمة بين النساء والرجال، وإلى أهمية توفير الرعاية الصحية وتعزيز العدالة القضائية بما يسهم في معالجة آثار الكارثة.
شهادة ناجية في مواجهة النسيان
واستعادت الناجية روعة حيدر ظروف الحصار والخوف الخانق تحت وطأة الغازات السامة، واصفةً لحظات مريرة امتزج فيها الأمل باليأس التام وسط انعدام وسائل النجاة، وأكدت أن ندوب تلك التجربة لا تزال حية في نفوس الناجين حتى اليوم، مشددةً على ضرورة الاستماع لقصصهم وحمايتها من التشكيك أو التحول إلى مجرد أرقام صماء في سجلات التاريخ.
وفي مواجهة آلات التضليل والإنكار، أبرزت حيدر الدور المحوري لحملة “لا تخنقوا الحقيقة” التي أسسها ناجون عام 2020 لتوثيق السردية السورية وحفظ ذاكرة الضحايا؛ بالتوازي مع معرض “نتذكر ونقاوم” المتنقل منذ 2023، والذي يجير اللوحات والأعمال الفنية كجسر بصري ينقل المأساة الإنسانية للعالم ويحرس كرامة الضحايا من النسيان.
من الشهادة إلى المحاسبة
بدوره، أكد الدكتور أيمن منعم في المحور القانوني، أن حظر الأسلحة الكيميائية دولياً يجعل من توثيق الأدلة، وجمع شهادات الضحايا ركيزة حاسمة في مسار الملاحقة القضائية، موضحاً أن العدالة الحقيقية لا تكتفي بمحاسبة الأفراد بل تقتضي تفكيك منظومة الجريمة بأكملها، بالتوازي مع بناء قضاء مستقل يضمن عدم تكرار هذه الانتهاكات.
ونوه بأن جهود التوثيق تكتسب ثقلاً قانونياً في ظل مسارات قضائية دولية جارية، أبرزها التحقيق القضائي الفرنسي حول هجمات عام 2013، حيث يشارك المركز السوري للإعلام وحرية التعبير في إعداد ملفاته وتقديم أدلته الحية لضمان تفعيل آليات المحاسبة الدولية.
ريشة الناجين تقاوم طمس الذاكرة

وتحول معرض “نتذكر ونقاوم” الذي أقيم بالموازاة مع الأرض، إلى مساحة إنسانية وبصرية تحفظ الذاكرة الجماعية، وتواجه النسيان من خلال أعمال فنية لناجين من الحصار والتهجير.
ويهدف المعرض إلى نقل سردية الضحايا ومواجهة الإنكار لفتح نقاش مجتمعي شجاع حول الحقيقة والعدالة ومنع تكرار الجرائم.
أجراس الذاكرة لضمان المستقبل
خلصت الجلسة إلى فضاء مفتوح من النقاش الحيّ، تلاقت فيه تطلّعات الحضور حول أولويات الناجين والناجيات، ليرسموا معاً خريطة طريق لمواجهة التضليل، مؤكدين أن حراسة الذاكرة السورية، وكسر جدار الإنكار هما طوق النجاة الوحيد وحجر الأساس لعدالة حقيقية تضمن ألّا يتكرر هذا الموت خنقاً.
وفي 21 آب 2013، نفذ النظام البائد هجوماً واسعاً بغاز السارين المحظور دولياً مستهدفاً مناطق عدة في الغوطتين الشرقية والغربية، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 1400 مدني، بينهم نحو 200 طفل وامرأة، وإصابة آلاف آخرين بحالات اختناق وتسمم.


