دمشق-سانا
يحتل كتاب «الكامل في التاريخ» لعز الدين ابن الأثير الجزري مكانة بارزة بين كتب التاريخ العام في الحضارة الإسلامية، لما اشتمل عليه من أخبار وأحداث تاريخية تغطي قروناً متعاقبة، ولما اتسم به من حرص على ترتيب الأحداث وربط بعضها ببعض، مع الإفادة من مصادر تاريخية سبقت المؤلف وإضافة ما بلغه من أخبار ووقائع عصره.
ولم يكن «الكامل» مجرد جمع لأخبار الملوك والدول والحروب، بل سجل جوانب متعددة من الحياة السياسية والاجتماعية، وتوقف عند المجاعات والكوارث والاضطرابات وأحوال الناس، الأمر الذي جعله مصدراً مهماً لدراسة التاريخ الإسلامي وتحولاته السياسية والاجتماعية، ولا سيما الأحداث التي عاصرها ابن الأثير في المشرق الإسلامي، وهو ما تستعيده زاوية «أمهات الكتب»، لتقرأ في صفحاته كيف عاش الناس تلك الوقائع، لا متى حدثت فحسب.
ابن الأثير في سطور
عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، المعروف بابن الأثير، ولد في جزيرة ابن عمر سنة 555هـ/1160م، في أسرة ارتبط عدد من أفرادها بالإدارة في الدولة الزنكية، ودرس في مسقط رأسه الموصل، ثم تلقى العلم في بغداد، قبل أن يتفرغ للتاريخ والحديث والأنساب.

أقام ابن الأثير معظم حياته في الموصل، وتنقل بينها وبين مدن بلاد الشام، وكان قريباً زمنياً من أحداث كبرى شهدها المشرق، منها صعود الدولتين الزنكية والأيوبية وبدايات الاجتياح المغولي وغيرها، ما أتاح له الجمع بين ما نقله عن المؤرخين السابقين وما تلقاه من معاصري الأحداث، وتوفي في الموصل سنة 630هـ/1233م.
عدّه ابن خلكان في وفيات الأعيان من كبار أهل التاريخ، ووصفه بأنه حافظ للتواريخ المتقدمة والمتأخرة، وخبير بأنساب العرب وأيامهم ووقائعهم، مشيراً إلى أن «الكامل» من خيار كتب التاريخ.
من أشهر مؤلفاته، إلى جانب الكامل في التاريخ، التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية، وأسد الغابة في معرفة الصحابة، واللباب في تهذيب الأنساب.
من الطبري إلى عصره
جاء الكامل امتداداً لتقليد التاريخ العام الذي مثله محمد بن جرير الطبري في تاريخ الرسل والملوك، واتخذ ابن الأثير من كتابه مصدراً أساسياً للأزمنة القديمة والقرون الإسلامية الأولى، لكنه لم يكتف باختصاره، بل استعان بمؤلفات أخرى، وأضاف إليها أخبار القرون اللاحقة حتى سنة 628هـ/1231م.
ويبدأ الكتاب بأخبار الخلق والأنبياء والأمم القديمة، ثم ينتقل إلى السيرة النبوية والخلافة الإسلامية والدول التي تعاقبت في المشرق والمغرب، وصولاً إلى السلاجقة والزنكيين والأيوبيين والحروب الصليبية وبدايات الاجتياح المغولي.
وتصنف دراسة تحليل المحتوى التاريخي في الكامل في التاريخ عند ابن الأثير، التي أعدها عبد القيوم عبد الرزاق ونشرت ضمن أعمال المؤتمر الدولي الرابع للتراث الإسلامي عام 2021، مادة الكتاب في محورين: تاريخ عالمي يمتد من عصور ما قبل الإسلام إلى العصر العباسي، وتاريخ معاصر يتناول الدولة الزنكية وأحداث زمن المؤلف.
كان هدف ابن الأثير وفق الدراسة إنشاء تاريخ جامع يتيح للقارئ متابعة ما كان يجري في أقاليم العالم الإسلامي المختلفة ضمن إطار زمني واحد، بدلاً من الاقتصار على تاريخ مدينة أو دولة بعينها.
التاريخ ترتيباً وتمحيصاً
اعتمد ابن الأثير المنهج الحولي، فرتب الحوادث بحسب السنوات، ووضع لكل واقعة عنواناً، ثم أورد في نهاية السنة وفيات العلماء والأعيان والفضلاء، غير أنه لم يلتزم هذا التقسيم بصورة جامدة، فكان يجمع أحياناً الأحداث المترابطة الممتدة عبر عدة سنوات في سرد واحد، حتى لا تتقطع الحادثة وتضيع صلاتها وأسبابها ونتائجها.
كما أعاد صوغ مواد مصادره في رواية متماسكة، وقارن بين بعض الأخبار واختار منها ما رآه أقرب إلى الصحة والاكتمال، وتوضح دراسة فلسفة ابن الأثير التاريخية في الكامل في التاريخ، التي أعدها أزمول فهيمي كاماروزمان ونورسعيدة جمال الدين وأحمد فاعثين محمد فاضل، ونشرتها مجلة العلوم الاجتماعية الآسيوية عام 2015، أن تصوره للتاريخ قام على ثلاثة مبادئ: التذكرة، والصحة، والتمام.
وتتمثل التذكرة في استحضار الماضي واستخلاص العبرة منه، بينما تتصل الصحة بانتقاء الأخبار والتحقق منها، ويشير التمام إلى مراجعة الرواية واستكمال عناصرها قبل إثباتها.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الكتاب يخلو من مواطن تحتاج إلى المراجعة، فقد دمج ابن الأثير مواد من مصادر متعددة في نص واحد من دون أن يصرح دائماً بأسمائها، ما يجعل تحديد أصل بعض الروايات أمراً صعباً، ويقتضي من الباحث مقارنتها بالمصادر المعاصرة لها.بين المصادر وشهادة العصر تظهر طريقة ابن الأثير في الانتقاء والمقارنة بوضوح في روايته للحروب الصليبية، التي أرّخ لخمس من حملاتها وكان معاصراً لثلاث منها، وتبين الباحثة ميسون ذنون العبايجي في كتابها ابن الأثير مؤرخاً للحروب الصليبية 490-588هـ/1096-1192م: دراسة في مصادره، أن ابن الأثير اعتمد في أخبار الحملة الأولى على ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي، بينما فضّل في الحملة الثانية روايته الواردة في التاريخ الباهر على رواية ابن القلانسي، ورجع في الحملة الثالثة إلى مؤلفات العماد الأصفهاني، ولا سيما الفتح القسي والبرق الشامي.
كما خلصت دراسة الباحثين الأندونيسيين شِدقي منجين وساتريا سِتياوان، المعنونة تحليل كتابة الكامل في التاريخ لابن الأثير، والمنشورة في مجلة «رحلة للتاريخ والثقافة» عام 2019، إلى أن المؤلف جمع روايات من سبقوه وأضاف إليها أخبار عصره، مستفيداً من قربه من عدد من الوقائع ورجالها.
وتزداد قيمة الكتاب في أخبار الاجتياح المغولي، إذ سجل ابن الأثير ما وصل إليه عن سقوط المدن واضطراب المشرق حتى سنة 628هـ، مستنداً إلى أخبار التجار والرسل واللاجئين القادمين من المناطق المنكوبة.
وتمتاز روايته هنا بقربها الزمني وغزارة مادتها وتعبيرها عن الصدمة التي أحدثها الاجتياح، لكنها تظل بحاجة إلى المقارنة بمصادر أخرى، لكونه لم يشاهد جميع الوقائع التي وصفها.
أما في أخبار الزنكيين والأيوبيين، فتظهر صلة أسرته بالدولة الزنكية في اهتمامه الواسع بتاريخها وتقديره لرجالها، فيما تناول صلاح الدين الأيوبي بقدر من النقد مع إقراره بإنجازاته، ويجعل هذا القرب روايته مصدراً مهماً.
كتاب ما زال حاضراً
يميل أسلوب “الكامل في التاريخ” إلى الوضوح والسرد المباشر، بعيداً عن التكلف البلاغي، مع عناية بالتبويب ووصل الأحداث بعضها ببعض، ما جعله مصدراً يسهل الرجوع إليه، ونموذجاً لدراسة تطور الكتابة التاريخية في الحضارة الإسلامية.
وعبر الكامل قروناً من التداول، محتفظاً بقيمته لما صانه من أخبار مصادر فُقدت أصولها، فخرج من خزائن المخطوطات إلى الطباعة بتحقيق كارل تورنبرغ في أربعة عشر جزءاً بين عامي 1851 و1876، ثم توالت طبعاته العربية، ومنها الطبعة التي تولى تحقيقها عمر عبد السلام تدمري عام 1997 في عشرة أجزاء، فيما نُقلت إلى الإنكليزية مختارات من أخباره عن السلاجقة والحروب الصليبية والمغول، ليواصل الكتاب، الممتد حتى سنة 628هـ، إمداد الباحثين بصورة واسعة عن تحولات العالم الإسلامي في القرون الوسطى.