دمشق-سانا
بين أزقة دمشق القديمة وذاكرة جوبر، حوّل صانع المحتوى المصري الأمريكي كريم رحمة رحلته مع السائق السوري بشار إلى بورتريه إنساني للمدينة في أول حلقة من برنامجهKeep the Meter Running “شغّل العداد”، يقدمها خارج نيويورك.
منتج الحلقة إياد نمر كشف في حديث مع سانا كواليس العمل والبحث عن قصة تتجاوز الصورة السياحية المعتادة لسوريا.
وتقوم الفكرة على سؤال يوجهه رحمة إلى سائق أجرة: خذني إلى مكانك المفضل، ليصبح السائق صاحب الطريق والحكاية، والرحلة مدخلاً إلى حياته وذكرياته وعلاقته بالمدينة.
وامتدت الرحلة يومين من طريق المطار، مروراً بالمدينة القديمة وأسواقها ومواقعها الدينية والتاريخية ومطاعمها، وصولاً إلى جوبر وأنقاض منزل طفولة بشار، لتنتقل من اكتشاف المكان إلى ذاكرة رجل عاش تحولات المدينة.
مدينة تقود الحكاية
لم يرتبط اختيار دمشق بالمواقع فحسب، بل بجمعها التاريخ والأسواق والطعام والحياة اليومية، إلى جانب ذاكرة الحرب وآثارها، لذلك ابتعد الفريق عن تقديمها كقائمة معالم؛ فاختير سوق الحميدية لإيقاعه وحركة ناسه، والبوظة العربية لذاكرتها المتوارثة، وقاسيون لمكانته الوجدانية، كما تم تسليط الضوء على عدة مواقع دينية وتاريخية.
وظهرت دمشق عبر أبوابها وحجارتها وأزقتها وأصوات أسواقها ووجوهها، واختصر منتج الحلقة إياد نمر علاقته بها بحبه لحجارتها لأنها تحمل قصصاً، كما أضافت رسوم الفنانة السورية الأمريكية راما دوجي الخاصة بالحلقة طبقة بصرية إلى السرد.
البحث عن سائق يحمل السرد
كان اختيار السائق حاسماً؛ تواصل الفريق مع أكثر من 200 سائق، وأجرى مقابلات مع 50 إلى 60 شخصاً قبل اختيار بشار، ولم يكن المطلوب معرفة الشوارع فقط، بل شخصية حاضرة أمام الكاميرا، وإتقان اللغة الانكليزية، وصاحب تجربة مع المدينة تستطيع فتح أبواب الحكاية.
وجد الفريق ذلك في بشار وفق نمر، ابن جوبر والمرشد السياحي، بروحه المرحة وحضوره التلقائي وعلاقته بالأماكن، ولم يلتقِ رحمة به قبل التصوير حفاظاً على عفوية التعارف، وهكذا تحول إلى راوٍ لدمشق، متنقلاً بين المزاح والذاكرة والتاريخ.
خطة مفتوحة على المصادفة
سبق التصوير شهرٌ من التحضير، تولى خلاله نمر تنسيق التصاريح واختيار المواقع وحركة الأشخاص والمعدات، ولما كانت هذه التجربة هي الأولى لفريق البرنامج في سوريا، كان عليه التعرف إلى خصوصية التصوير في الشوارع.
ومع ذلك، تم تحديد محطات وخيوط رئيسية خلال الحلقة، مع ترك مساحة لما يصنعه الطريق من لقاءات ومواقف، وهي مرونة حافظت، وفق نمر، على روح البرنامج وعفويته.
دمشق عبر الطعام والناس
شكّل الطعام مدخلاً طبيعياً إلى المدينة؛ فمن المناقيش والفلافل والشاورما إلى البوظة العربية، تحولت الوجبات إلى مساحة للحديث عن الضيافة والعادات، رافقتها مقارنات طريفة بين المطبخين السوري والمصري.
وفي دمشق القديمة، مرّت الرحلة بالجامع الأموي وكنيسة حنانيا والأحياء التاريخية، وأتاح عمل بشار في الإرشاد السياحي أن يتسع دوره من سائق إلى قارئ للمكان عبر تاريخه وتجربته، وبذلك حضرت دمشق من خلال أهلها وطعامها وتفاصيلها، وبقيت معالمها جزءاً من القصة لا غايتها.
عندما يصل الطريق إلى جوبر
بعد الأسواق والطعام، قادت السيارة رحمة إلى جوبر، مسقط رأس بشار، فتغير إيقاع الحلقة أمام الأبنية المدمرة وصولاً إلى أنقاض منزل طفولته.
ويوضح نمر أن جوبر كانت جزءاً مقصوداً من البناء السردي، لأن تقديم دمشق من دون تاريخها الحديث وآثار الدمار الذي خلفه النظام البائد يرسم صورة منقوصة، لكنه بالنسبة إلى بشار ليس موقعاً للدمار فقط، بل مكان الطفولة والعائلة والذاكرة.
هناك تحدث بشار عن سنوات إقامته في دبي وعودته إلى سوريا ليكون قرب أسرته، وعن وفاة والدته وتجارب الحرب وأسئلتها، وبين الركام، توقفت الكاميرا عند نبتة خضراء خرجت من الأنقاض، مجسدة فكرة أن الحياة تجد طريقها إلى العودة.
لا صورة مثالية ولا مدينة تختزلها الحرب
يقول نمر: إن الهدف لم يكن استبدال الصورة الشائعة عن سوريا بصورة مثالية، بل إظهار التناقضات كما هي: أناس يضحكون ويأكلون ويعملون ويخططون لحياتهم، إلى جانب ذاكرة مؤلمة وآثار لا يمكن تجاهلها.
وخرجت النسخة النهائية من أكثر من 20 ساعة مصورة خلال يومين، بقي خارجها كثير من الحوارات واللقاءات، ومع اقتراب النهاية، تجاوزت علاقة كريم وبشار صيغة المقدم والضيف، بعدما صنعت محطات الطعام والمزاح والتاريخ وجوبر والفقد صداقة تشكلت أمام الكاميرا.
واختصر بشار تعلقه بمدينته بقوله: دمشق لا تموت، وعندما سأله عما رآه خلال يومين، أجاب كريم بأنه لم ير سوى الجمال، فرد بشار: ما رأيته هو الشعب السوري.
وبالنسبة إلى نمر، تمثل وصول الحلقة إلى مشاهدين سوريين وعرب وأمريكيين مؤشراً على نجاح حكاية محلية عن سائق ومدينة وبيت طفولة وذاكرة في العبور إلى جمهور بعيد، فدمشق لم تُقدّم بشرح مباشر، بل من المقعد الخلفي لسيارة يقودها أحد أبنائها، لتكشف نفسها عبر الطعام والحجارة والركام، وأناس يحملون ذاكرتهم ويواصلون الحياة.
يُذكر أن برنامج شغّل العداد انطلق عام 2022 كسلسلة من المقاطع القصيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويقوم على استقلال كريم رحمة سيارة أجرة وطلبه من سائقها اصطحابه إلى مكانه المفضل مع إبقاء العداد قيد التشغيل، لتتحول الرحلة إلى مساحة لاكتشاف حياة السائق وذكرياته وثقافته وعلاقته بالمدينة.
واستلهم رحمة الفكرة من لقاء جمعه بسائق ذكّره بوالده الراحل الذي عمل سائق أجرة بعد هجرته من مصر إلى الولايات المتحدة، وبعد نجاح السلسلة، أعيد إطلاقها في أيار 2026 بحلقات وثائقية طويلة عبر منصة يوتيوب، قبل أن تمثل دمشق أول انتقال للبرنامج خارج نيويورك.