دمشق-سانا
بهدف صون الذاكرة العمرانية والثقافية وتعزيز حضور المناطق التاريخية والأثرية في حياة المجتمع، نظم المتحف الوطني بدمشق اليوم الأربعاء لقاءً بعنوان “مستقبل الأحياء التاريخية ودور الشباب في الحفاظ عليها”، بمناسبة اليوم العالمي للشباب الذي يصادف 12 آب من كل عام.
وأقيم اللقاء برعاية وزارة الثقافة، ونظمته الرابطة الوطنية للمعالم والمواقع الأثرية «إيكوموس سوريا»، بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف، وبمشاركة مختصين في الآثار والتراث العمراني وشباب مهتمين بحماية المدن التاريخية.

وناقش المشاركون واقع الأحياء القديمة وسبل الحفاظ عليها وإبقائها جزءاً حياً من المدن المعاصرة، مع التركيز على مشاركة الشباب في التوثيق والتوعية، والاستفادة من التصوير والخرائط الرقمية والتقنيات الحديثة.
وشهد اللقاء توقيع مذكرة تفاهم بين المديرية العامة للآثار والمتاحف وإيكوموس سوريا، وإطلاق مسابقة شبابية للتصوير الضوئي تستمر 60 يوماً، بهدف إنشاء أرشيف بصري للمواقع والمباني التاريخية في المحافظات السورية، ومحاضرات تاريخية.
مذكرة تعاون توسع مظلة الحماية

تتضمن مذكرة التفاهم تعزيز التعاون في المجالات الاستشارية والتوعوية والتشريعية، والمساهمة في تطوير القواعد والضوابط الناظمة لحماية التراث والأحياء التاريخية، وتوثيق المواقع والمباني وإدراج بياناتها في سجلات وخرائط جغرافية رقمية على منصات علمية وطنية ودولية.
كما تنص على تدريب الشباب وإشراكهم في أعمال التصوير والتوثيق وإعداد الخرائط، وتوسيع المشاركة لتشمل جميع المحافظات، ولا سيما المناطق التي تفتقر إلى الكوادر المتخصصة، إلى جانب تعزيز الشراكة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني واستقطاب الدعم لمشاريع الحماية والترميم.
وأكد رئيس إيكوموس سوريا الدكتور موفق دغمان خلال اللقاء أن المذكرة تسعى إلى بناء شراكة فاعلة مع المؤسسات الحكومية، وتطوير آليات حماية التراث ورفع مستوى توثيق المواقع السورية وتسجيلها، بما يساعد على جذب الدعم المؤسسي والتمويل اللازم لتنفيذ مشاريع الترميم.

وأشار إلى أن حماية الإرث الحضاري السوري تتطلب تعاون الجهات والوزارات ذات الصلة ضمن إطار الدولة والتشريعات النافذة والمناقشة العلمية المنظمة، لافتاً إلى أهمية إعداد دليل استرشادي لحماية المواقع الأثرية، وتطوير الأطر القانونية والمؤسسية، وخاصة أن ما تعرضت له المدن والمواقع خلال العقود الماضية يستدعي توحيد الجهود ورفع مستوى الوعي والتوثيق.
الأحياء الحية تحفظ ذاكرة المكان
بدوره أكد مدير عام الآثار والمتاحف الدكتور مسعود بدوي أن المدن التاريخية ليست مجموعة مبانٍ منفصلة، بل نتاج عمراني متكامل تشكل عبر مراحل زمنية متعددة، وبالتالي أي تدخل غير مدروس فيها لا يضر بمبنى واحد فقط، بل قد يمس أصالة المدينة وهويتها ونسيجها، موضحاً أن الحفاظ على الأحياء التاريخية لا يعني تجميد الحياة فيها أو تحويلها إلى متاحف مغلقة، وإنما إبقاؤها أماكن صالحة للسكن والعمل.

ودعا إلى إعادة استخدام المباني التاريخية في وظائف معاصرة تلبي احتياجات السكان، شرط احترام قيمتها وخصوصيتها المعمارية، مشدداً على أن نجاح الحماية يتطلب تكامل أدوار الجهات والوزارات ذات الصلة والمجتمع المحلي.
ورأى بدوي أن التنمية الاقتصادية والسياحة الثقافية قادرتان على دعم التراث وتحسين استفادة السكان منه، مؤكداً ضرورة إشراك الشباب والمهنيين الناشئين في التوثيق والبحث وإدارة المعلومات والتواصل المجتمعي، بالتوازي مع نقل خبرات الأجيال السابقة إليهم.
عدسة الشباب تبني أرشيفاً وطنياً
وفي تصريح لسانا أوضح دغمان أن مسابقة التصوير الضوئي، التي أعلن عنها اليوم تستمر 60 يوماً، وتهدف لتوثيق المواقع والمباني التاريخية في المحافظات السورية، وجمع أرشيف بصري يعرّف بالتراث ويسهم في حمايته.

وشرح أن الصور المشاركة ستوظف لاحقاً في قواعد بيانات وخرائط جغرافية رقمية، وتعرض عبر منصات علمية ووطنية ودولية، بما يوسع حضور المواقع التاريخية ويكشف عن معالم بقي بعضها بعيداً عن الاهتمام والتوثيق.
وتفتح المسابقة باب المشاركة أمام الفئات العمرية الشابة، وتقدم جوائز تشجيعية وفرصاً لعرض الأعمال المتميزة ضمن فعاليات الرابطة، كما تمنح المشاركين فرصة لاستخدام التصوير والتقنيات الرقمية في خدمة التراث، وتحويل الصورة من مادة جمالية إلى وثيقة قابلة للاستفادة منها في الدراسات وخطط الحماية والترميم.
ورأت ممثلة الشباب المشاركين في اللقاء أسماء الحميّر خلال اللقاء أن استدامة التراث تتطلب تفعيل طاقات الشباب وتكامل معارفهم مع خبرات المختصين، ليصبحوا جسراً ينقل الذاكرة الثقافية إلى الأجيال المقبلة.
ودعت إلى الاستفادة من أدوات العصر في التعريف بالأحياء القديمة ونشر قصصها والتحذير من المخاطر التي تهددها، مثمنة دعم وزارة الثقافة وإتاحتها المجال أمام الشباب للمشاركة في العمل التراثي.
تقنيات حديثة لمستقبل التراث السوري

بينت المهندسة المعمارية وعضو مجلس إيكوموس سوريا آلاء الشيخ في تصريح لسانا، أن العلاقة بين الخبرات المتراكمة والجيل الشاب تقوم على التكامل، من خلال الاستفادة من التجارب السابقة وتطويرها بأدوات حديثة، مشيرةً إلى أهمية تقنيات التصوير المساحي والطائرات المسيّرة والبرامج الرقمية في توثيق المباني التاريخية وإعادة تكوينها بدقة، بما يوفر بيانات تساعد على إعداد دراسات الترميم والحماية مستقبلاً.
وبيّنت أن دور الشباب لا يقتصر على العمل التقني، بل يشمل نشر الوعي بقيمة التراث عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والوصول إلى مختلف المحافظات، وتشجيع المجتمعات المحلية على حماية معالمها.

وأكد المشاركون أن الشباب ليسوا متلقين لخبرات العمل التراثي فحسب، بل شركاء في تطويره واستدامته، بما يمتلكونه من معرفة تقنية وقدرة على التواصل والوصول إلى المواقع وتوثيقها، فيما خلص اللقاء إلى أن حماية الأحياء التاريخية تبدأ من إبقائها حية، وربط سكانها بذاكرتها، وبناء شراكة تجمع المؤسسات والمختصين والمجتمع المحلي والأجيال الشابة.
وتضمن اللقاء الذي حضره نائب وزير الثقافة سعد نعسان ونقيب المهندسين في سوريا المهندس مالك حاج علي ثلاث محاضرات تناولت واقع الأحياء التاريخية في دمشق بين التسجيل والإهمال ووضعها القانوني وتحدياتها، والأحياء التاريخية في حلب وتحدياتها، ورؤية المديرية العامة للآثار والمتاحف في حماية الأحياء التاريخية.


