دمشق-سانا
يقدّم الشاعر والكاتب السوري محمد دركوشي في ديوانه “كَفنٌ من بروكارٍ دمشقيّ” تجربة تتجاوز حدود الرثاء التقليدي، لتغدو شهادة إنسانية على الفقد والمنفى والذاكرة، ضمن بناء فني يجمع بين أصالة القصيدة العمودية وإيقاع شعر التفعيلة.
ويوضح الشاعر في مقدمة الديوان رؤيته للشكل الشعري بوصفه أداة تخدم التجربة، فالقصيدة العمودية تمثل امتداداً للأصالة، بينما تتيح التفعيلة التعبير عن نبض العصر وتحولاته، من دون أن يتحول أي منهما إلى قيد على النص.
مفارقة العنوان ودلالاته
ويقدم عنوان الديوان مفارقة بصرية ودلالية بين البروكار الدمشقي بما يحمله من جمال وارتباط بذاكرة الحرفة العريقة، والكفن بوصفه رمزاً للنهاية والفقد، لتغدو هذه الثنائية مدخلاً إلى نصوص تجعل من دمشق فضاء للحنين، ومن الموت سؤالاً وجودياً يجاور الحياة في تفاصيلها.
ويتحول المكان في العنوان إلى استعارة تجمع بين بهاء المدينة وقسوة مصيرها، وتتقاطع من خلالها ذاكرة الشاعر الشخصية مع الذاكرة السورية الجمعية في مشهد شعري واحد.
الوطن والفقد في قلب التجربة
وتتنوع موضوعات الديوان بين الوطن والحرب والمنفى والحب والرثاء والتأمل الوجودي، وتستحضر بعض القصائد الجرح السوري والعربي، بينما تنفتح أخرى على أبعاد روحية وإنسانية.
وتبلغ التجربة ذروتها في المراثي التي كتبها الشاعر لابنه، إذ يتحول النص إلى مواجهة مباشرة مع الفقد، بعيدة عن الخطابة، ويصبح الرثاء وسيلة لمساءلة الذات والواقع، لا مجرد تعبير عن الحزن.
وتحضر في القصائد قيم الحرية والعدالة والكرامة بوصفها أسئلة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان، بما يمنح التجربة بعدها الأخلاقي إلى جانب بعدها الوجداني.
لغة شعرية وتجريب فني
ويعتمد دركوشي لغة مكثفة تجمع بين الحس الغنائي والتأمل الفكري، ويوظف الصورة والإيقاع الداخلي بما يحقق توازناً بين حرارة العاطفة ودقة البناء الفني.
كما يستثمر إمكانات اللغة العربية ويستدعي شخصيات وأحداثاً ونصوصاً دينية وأساطير ووقائع تاريخية، فتتجاور في قصائده مرجعيات عربية وإسلامية وإنسانية تفتح النص على مستويات متعددة من القراءة.
ويسهم البناء البصري للقصائد، إلى جانب الحواشي والإحالات التفسيرية والتاريخية، في توسيع مساحة النص، ليتقاطع فيه الشعر مع الوثيقة، والتأمل الجمالي مع الشهادة على زمن مضطرب.
قراءة نقدية
ويرى الناقد الدكتور هاني راغب في تصريح لـ سانا، أن الديوان يترك أثراً عميقاً في القارئ لما يحمله من صدق في التجربة وقوة في التعبير، مشيراً إلى نجاح الشاعر في جعل الشكل الفني خادماً للمضمون الشعري، من خلال الجمع بين بنية القصيدة العربية وأشكالها الحديثة.
ويبيّن راغب أن العنوان يكثف الرؤية التي يقوم عليها العمل، إذ يجمع بين فخامة البروكار الدمشقي ودلالة الكفن المرتبطة بالفقد، في صورة تلخص علاقة الإنسان بمدينته وذاكرته.
الشاعر في سطور
محمد دركوشي شاعر وروائي وباحث لغوي سوري معاصر، تنشغل تجربته الأدبية بقضايا الوطن والهوية والحرب والمنفى، ويستثمر الحس الشعري واللغة الرمزية والتراث العربي في بناء رؤيته الإبداعية.
يشار إلى أن ديوان “كَفنٌ من بروكارٍ دمشقيّ” صدر عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع عام 2025، ويقع في 150 صفحة من القطع المتوسط.