دمشق-سانا
يقدّم الأديب والباحث السوري عبد القادر الجاسم في مجموعته القصصية الأولى “الجنزير” ثلاثين قصة قصيرة تنفتح على أسئلة الحرية والهوية والمنفى والذاكرة، مستنداً إلى تفاصيل الحياة اليومية بوصفها مدخلاً لكشف التحولات العميقة التي عاشها المجتمع السوري خلال العقود الأخيرة.
ويشكل الجنزير في عنوان الكتاب رمزاً أدبياً مكثفاً لمفهوم القيد ومصادرة الحرية، بينما تمتد دلالاته لتشمل القيود النفسية والاجتماعية والسياسية التي تواجه الإنسان.
الحرية محور جامع للقصص
تتوزع قصص المجموعة على أربعة محاور رئيسية، تتناول مرحلة ما قبل الثورة السورية، وبعض أحداثها، وتجارب اللجوء والمنفى، والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب ثلاث قصص تتناول الحب بوصفه مساحة إنسانية في مواجهة القسوة.
وتضم المجموعة قصصاً عن الحواجز الأمنية زمن النظام البائد، والبنية الاجتماعية وأزماتها، إضافة إلى نصوص تتناول تجربة اللجوء والاغتراب، فيما تحضر العلاقات الإنسانية والعاطفية بوصفها امتداداً لثيمة الحرية التي تجمع النصوص رغم تنوع موضوعاتها.
رهان على التفاصيل الصغيرة
تعتمد نصوص “الجنزير” على التقاط التفاصيل اليومية أكثر من اعتمادها على الأحداث الكبرى، إذ تتحول اللغة إلى عنصر أساسي في بناء الدلالة، بينما تتجاور السخرية مع المرارة، والواقعية مع التهكم، لتكشف القصص هشاشة الإنسان وارتباكه أمام التحولات التي يعيشها.
ولا تسعى القصص إلى تقديم حكاية واحدة، بل تنسج عالماً تتكرر فيه مفردات الاسم والطريق والذاكرة والصمت، وتترك نهاياتها مفتوحة أمام تأويل القارئ، بحيث يصبح ما لم يُقل جزءاً من المعنى الذي يبنيه النص.
تجريب في البناء السردي
تبرز المجموعة اهتماماً بالتجريب الفني من خلال توظيف تقنيات الميتاسرد، والتوازي، والتكرار، والتناص، إلى جانب الإفادة من اللقطة المكثفة واللغة الشعرية، بما يمنح النصوص تنوعاً في البناء والأسلوب، ويكسر الأنماط التقليدية في كتابة القصة القصيرة.
قراءة نقدية
يرى الشاعر والكاتب السوري وعد غادري في تقديمه للمجموعة، أن عبد القادر الجاسم ينتقل من الرواية إلى القصة القصيرة بقدرة لافتة على التكثيف وضبط الإيقاع السردي، معتبراً أن الحرية تشكل الخيط الذي يجمع القصص جميعها، وأن عنوان “الجنزير” يختزل هذه الرؤية الرمزية.
ويشير غادري إلى أن المجموعة ترسم بانوراما للحياة السورية عبر شخصيات تنتمي إلى بيئات اجتماعية مختلفة، وتوازن بين الواقعية والرومانسية، والسخرية والمرارة، مع حضور واضح للغة موحية تمنح النصوص بعداً جمالياً وتأويلياً، مؤكداً أن المحلية التي تنطلق منها القصص تمنحها في الوقت ذاته أفقاً إنسانياً عاماً.
نبذة عن الكاتب والكتاب
عبد القادر الجاسم أديب وباحث سوري من مدينة حلب، يقيم في إسطنبول، ويُعدّ أطروحة دكتوراه في الدراسات اللسانية بجامعة حلب، صدرت له سابقاً روايتا “الهيلعي” عام 2022، و”سبدلا” عام 2025، التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية لعام 2026، كما شارك في عدد من الإصدارات القصصية المشتركة، فيما تمثل “الجنزير” أول إصدار مستقل له في فن القصة القصيرة الصادرة عن دار نرد للنشر والتوزيع 2026.