“مواقع السحاب”.. سردية إنسانية عن الغياب والفقد على خشبة أوبرا دمشق

دمشق-سانا

قدّم كورال غاردينيا مساء اليوم الخميس على مسرح دار أوبرا دمشق العرض الغنائي المسرحي مواقع السحاب، حيث ‏ارتفعت أصوات المؤديات بالهمس والندب والغناء وسط حركة جماعية تستعيد صور الغياب والانتظار والفقد، في عمل ‏يستند إلى نص للكاتبة والمخرجة آنا عكاش، ويقدَّم في سبعة مشاهد تمزج الغناء الجماعي بالحوار والأداء الحركي، مع ‏اعتماد المجموعة محوراً بصرياً وصوتياً للعرض.‏

يستمد مواقع السحاب مادته من حكاية الزير سالم، مستعيداً طغيان كليب والشرارة الأولى لحرب البسوس، بعد أن أصاب ‏كليب ناقة البسوس بسهم، وما أعقب ذلك من قرار جساس مواجهته، في قراءة معاصرة تربط الحكاية بثورات الشعوب ضد ‏الطغيان وسعيها إلى العدالة والحرية.‏

2L6A2513 "مواقع السحاب".. سردية إنسانية عن الغياب والفقد على خشبة أوبرا دمشق

غير أن العرض وهو يعيد سرد الحكاية بصوت أبطالها الرجال، ينقلها إلى النساء اللواتي وقفن في هامش الرواية، وحاولن ‏إيقاف الحرب والثأر من دون أن يُسمع صوتهن، وتتوزع الأصوات بين السرد والخفوت والندب، لتكشف أثماناً دفعتها النساء ‏والأطفال في صراع لم يشاركوا في إشعاله.‏

وتناول العرض شخصية الجليلة العالقة بين زوجٍ مقتول وأخٍ قاتل، وما تحمله من وزر حرب لم تصنع قرارها، كما قدّم هند ‏زوجة الزير في مواجهة قرار قتل ابنته خشية العار، رابطاً بين شخصية الزير ووقائع القتل والفقد في العصر الحديث، ‏ومظهراً المفارقة بين عنف المحارب وهشاشته أمام خسارته الشخصية، وحضرت اليمامة ابنة كليب بوصفها امتداداً لدائرة ‏الثأر، مؤكدة أن العنف يعيد إنتاج نفسه حين تتحول الخصومة إلى حرب مفتوحة.‏

في المشهد الثاني، تظهر الجليلة رافضةً ظلم كليب، في مواجهة الوصية الشعبية: سالم لا تصالح، حيث يعيد العرض مساءلة ‏هذه الوصية، ليقلبها إلى نداء مضاد للثأر: صالح يا سالم، كُرمَى لأمك واليتامى والأرامل، فيما تحمل أم كليب ذاكرة الحرب ‏ووجوه ضحاياها.‏

وتبدو الجليلة عالقة بين طرفي الفاجعة، فهي زوجة القتيل وأخت القاتل، وتُحمّل وزر حرب لم تصنع قرارها، في صورة ‏تختصر معاناة نساء يجدن أنفسهن بين خصومات لا يملكن منعها، لكنهن يتحملن نتائجها.‏

2L6A2550 "مواقع السحاب".. سردية إنسانية عن الغياب والفقد على خشبة أوبرا دمشق

أما هند، زوجة الزير، فتظهر في مواجهة نارها الداخلية بعد قرار الزير قتل ابنته خشية العار، ومن خلال هذا المشهد، يربط ‏العرض شخصية الزير بقتلة العصر، مستحضراً الجثث التي سحقتها الدبابات، وآلاف المفقودين، وما خلفته الحروب من ‏أرامل ويتامى.‏

ويكشف المشهد مفارقة قاسية، فالزير لا يبكي ضحايا الحرب، لكنه ينهار أمام ابنته ليلى بعد نجاتها، لتظهر المسافة بين ‏عنف المحارب وهشاشته الشخصية، وبين ما يراه خسارة تخصه وما يتجاهله من خسائر الآخرين.‏

وتحضر اليمامة، ابنة كليب، بوصفها امتداداً جديداً لدائرة الثأر، لتؤكد أن العنف يعيد إنتاج نفسه، وفي المواجهة بين الزير ‏وهمام، تنهار حدود القرابة والوفاء حين تتحول الخصومة إلى حرب مفتوحة لا تترك مكاناً للرحمة.‏

يربط العمل بين حكاية الزير سالم وما عاشته سوريا في زمن النظام البائد، مستحضراً القتل والفقد والدمار، من دون أن ‏يفصل بين مأساة الماضي وآلام الحاضر.‏

2L6A2519 "مواقع السحاب".. سردية إنسانية عن الغياب والفقد على خشبة أوبرا دمشق

وفي ذروة العرض، ارتفع صوت الكورال مردداً: “سكابا يا دموع العين سكابا.. على شُهَدا سوريا وشبابا”، فتحولت الأغنية ‏إلى مرثية جماعية للشهداء والمفقودين والأمهات والأرامل، وإلى مساحة يلتقي فيها الحزن الشخصي بالذاكرة السورية.‏

وأوضحت قائدة الكورال سفانة بقلة في تصريح لـ سانا، أن العمل يقدم تجربة فنية جديدة للمجموعة، فهو ليس مسرحاً بالمعنى ‏التقليدي، وإنما حكاية مغناة تستلهم أسلوب الحكواتي الشعبي، وتنقله إلى الخشبة عبر تقنيات الغناء والأداء الخاصة ‏بالكورال.‏

وأضافت أن فكرة العمل، التي طورتها بالتعاون مع الكاتبة آنا عكاش، تقوم على تناول قصة الزير سالم من منظور النساء ‏اللواتي عانين ويلات الحرب من دون أن يكون لهن دور في إشعالها، مبينة أن الرسالة الأساسية للعرض هي: اسمعوا النساء، ‏لما تحمله أصواتهن من شهادات صادقة عن ألم غالباً ما يجري تهميشه خلال الحروب.‏

2L6A2533 "مواقع السحاب".. سردية إنسانية عن الغياب والفقد على خشبة أوبرا دمشق

ورأت بقلة أن مأساة الزير سالم تكشف كيف يمكن للإنسان أن يغرق في الثأر والانتقام حتى يتحول بدوره إلى ظالم، مشيرة ‏إلى أن النساء يمتلكن دوراً مهماً في رواية المأساة بأمانة، إذ ينشغلن غالباً بحماية الأطفال والأهل ومن يحببن، في وقت ‏ينشغل فيه الرجال بالبحث عن المجد والانتصار.‏

واختتم العرض بصرخة نسائية تعلن أن الأرض اكتفت من الحرب، وتدعو إلى الصلح والسلام، في نداء يعبر الأزمنة، ‏ويخرج من قلب الألم ليواجه منطق الثأر بصوت الحياة.‏

يُذكر أن كورال غاردينيا النسائي تأسس في دمشق عام 2016، واتخذ من الموسيقا وسيلةً لنشر السلام والتسامح وتقديم ‏أعمال فنية ذات بعد إنساني، ويأتي مواقع السحاب امتداداً لهذا التوجه؛ وهو حكاية غنائية من تأليف آنا عكاش وموسيقا سفانة ‏بقلة، وتدريب حركي لحنان شقير، وتصميم ملصق سهى غانم، أُنتجت بمنحة من المورد الثقافي، وقُدّمت أول مرة ضمن ‏مبادرة نسيج بدعم من اتجاهات– ثقافة مستقلة، وبالتعاون مع مساحات للتقاطع الثقافي.‏

مشاركة هذه المقالة