دمشق-سانا
جمعت فعاليات جناح وزارة الثقافة، في اليوم الثاني من معرض «ناس تكس» المقام بمدينة المعارض في دمشق، بين القيمة المعرفية وجمال الفنون التراثية، من خلال محاضرة تناولت “تاريخ النسيج السوري وتطوره عبر العصور”، وعروض فنية أحيت ألواناً من الموروث الثقافي غير المادي.
واستعرضت محاضرة «تاريخ النسيج السوري وتطوره عبر العصور» واحدة من أقدم الحرف التي حملت الإبداع السوري إلى العالم، فيما قدمت مبادرة «تجمع صور من التراث» لوحات من المولوية ورقص السماح، امتزجت فيها الأزياء التقليدية والرؤى البصرية المعاصرة مع ألحان وأغانٍ من التراثين الشامي والحلبي.
النسيج السوري.. تاريخ ضارب في القدم
وتناول الباحث خالد الفياض، مدير البيت التجاري في الاتحاد العام للحرفيين، خلال المحاضرة، المسيرة التاريخية لصناعة النسيج ومراحل تطورها، منذ ابتكار الإنسان وسائل الغزل باستخدام الألياف النباتية والحيوانية، وصولاً إلى ما حققته هذه الصناعة من مكانة عالمية بفضل دقتها وتنوعها.

وأوضح الفياض أن سوريا تعد من أقدم المناطق التي عرفت صناعة النسيج، مستشهداً بمكتشفات تعود إلى العصر الحجري الحديث في مواقع الجرف الأحمر والمريبط وأبو هريرة، تضمنت إبراً عظمية وأثقالاً للأنوال.
كما استعرض تطور الصناعة في الحضارات السورية القديمة، وازدهار إنتاج الأقمشة في ورشات مدينتي إيبلا وماري، وفق ما وثقته الألواح المسمارية، إضافة إلى إسهام الفينيقيين في صباغة الأقمشة بالأرجوان الملكي، ودور الحضارتين الآشورية والآرامية في تطوير أساليب الحياكة ودمج الكتان بالصوف واستخدام الحرير البحري.
النسيج الدمشقي.. أصالة وهوية متجددة
وبيّن الفياض أن صناعة الحرير والديباج والسجاد بلغت مستويات متقدمة في العصور اليونانية والرومانية والبيزنطية، مستفيدة من موقع تدمر على طريق الحرير ودورها في تبادل التقنيات والخبرات بين الشرق والغرب.
وأشار إلى استمرار ازدهار النسيج في العصر الإسلامي، ولا سيما من خلال نشاط «دور الطراز» في العهدين الأموي والعباسي، وما اكتسبته هذه الصناعة من أهمية اقتصادية وثقافية وثقها عدد من المؤرخين، بينهم ابن خلدون والمقريزي.
وتطرق إلى تطور النسيج السوري في العهد العثماني على أيدي حرفيين سوريين، من بينهم يوسف الخوام وعبد المجيد الأصفر، مستعرضاً أشهر أنواع الأقمشة التقليدية، كالداماسك والبروكار والديما والألاجة، وما تميزت به من زخارف نباتية وهندسية، أبرزها الوردة الدمشقية وعش البلبل.
كما سلط الضوء على الحرف المرتبطة بالنسيج، ومنها الحياكة والصباغة والتطريز وصناعة الطرابيش والشالات، وعلى تنوع الأزياء السورية تبعاً للمناطق والمناسبات والفئات الاجتماعية، بما يعكس غنى التراث الشعبي السوري.
وأكد الفياض، في تصريح لمراسل سانا، أن المشاركة في جناح وزارة الثقافة تهدف إلى توثيق الحرف التراثية وترسيخ الهوية الوطنية، مشدداً على أن الحفاظ عليها مسؤولية ثقافية ووطنية، لما تختزنه من قيمة حضارية تجسد عمق التاريخ وإبداع الإنسان السوري وقدرة هذه الحرف على الاستمرار والتطور.
عروض فنية تحيي الموروث السوري
وفي الجانب الفني، قدم «تجمع صور من التراث» لوحات من المولوية ورقص السماح، في عروض جمعت بين الأصالة والتجديد، وعكست تنوع الفنون الشعبية السورية.
وأوضح مؤسس التجمع الباحث إدريس مراد، في تصريح مماثل، أن المشاركة تأتي امتداداً للمهرجان السنوي الذي يقيمه التجمع في دار الأوبرا بدمشق، وتهدف إلى صون الموروث الثقافي السوري وإبراز غنى الهوية الوطنية.
وأشار مراد إلى أن التجمع يعمل، بدعم من وزارة الثقافة، على تقديم مختلف ألوان التراث السوري في المسارح والمعارض، لافتاً إلى أن فعاليات المعرض الممتدة أربعة أيام تجمع فرقاً متخصصة لتقديم فنٍّ يعكس تنوع الموروث الثقافي السوري وثراء مكوناته.
وتجسد مشاركة وزارة الثقافة في المعرض جانباً من جهودها الرامية إلى صون التراث الثقافي غير المادي، من خلال منصة تجمع ألواناً منه في لوحة تؤكد عمق الهوية الوطنية السورية وتنوعها الإنساني والحضاري.