أنقرة-سانا
بين رفوف الكتب التي أمضت سنوات في البحث بين صفحاتها، وورشة صغيرة تتناثر فيها الأحجار الطبيعية وأدوات التصميم، نسجت الباحثة والمصممة السورية بثينة الخليل رحلة مختلفة حملت معها التراث السوري من فضائه الأكاديمي إلى الحياة اليومية.
ففي سنوات الاغتراب لم تتخلَّ عن شغفها بالموروث، بل وجدت فيه منطلقاً لمشروع يحول الهوية الثقافية إلى حلي وإكسسوارات يدوية تجمع بين أصالة التراث وروح التصميم المعاصر، مقدمةً من خلال مشاركتها في معرض “ورد 19” بمدينة غازي عنتاب التركية نموذجاً لقدرة السوريين على تحويل التحديات إلى فرص للإبداع.
الحلي امتداد للبحث في التراث
وفي تصريح لـ سانا، قالت الخليل: “لم يكن انتقالي إلى تصميم الحلي بعيداً عن عملي البحثي، بل جاء امتداداً له، لأنني أؤمن بأن التراث لا يُحفظ في الكتب والدراسات فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى منتج ثقافي وفني يعيش مع الناس ويعبر عن هويتهم”.
وأضافت: “القيمة الحقيقية للحلي ليست في الأحجار الطبيعية وحدها، مهما بلغت قيمتها، وإنما في الفكرة التي تمنح الحجر حياة جديدة، وفي التصميم اليدوي الذي يجعل كل قطعة مختلفة عن غيرها، لتحمل بصمة صانعتها ولا يمكن تكرارها”.
الأحجار الطبيعية تصنع هوية القطعة
وأوضحت الخليل أن مشروعها يعتمد على تشكيلة واسعة من الأحجار الطبيعية، منها الياقوت والزمرد والمرجان والعقيق والفيروز واللؤلؤ والكالسيت والأفنتورين وحجر اللاف البركاني، إلى جانب إكسسوارات ذهبية وفضية عالية الجودة ولمسات من “الستراس”، بما يحقق توازناً بين الفخامة والبساطة.
وأكدت أن الحجر الطبيعي يشكل نقطة البداية في كل تصميم، إذ تقود ألوانه وتكوينه وملمسه إلى ابتكار القطعة المناسبة، بحيث يحتفظ كل حجر بفرادته، ويمنح كل عمل شخصية مختلفة تعكس جمال الخامة الطبيعية وروح التصميم اليدوي.
تصاميم تحكي الذاكرة السورية
وعن مشاركتها في معرض “ورد 19” في غازي عنتاب مؤخراً، أوضحت الخليل أنها تحرص على استلهام روح التراث السوري من خلال اختيار الخامات، بعيداً عن استنساخ الزخارف أو الأشكال التقليدية، مؤكدة أن جميع الموديلات هي تصاميم مبتكرة من رؤيتها الخاصة، تمزج بين الأصالة والمعاصرة لتناسب مختلف الأذواق والفئات العمرية.
ولفتت إلى أن مشاركتها جاءت بصفتها رائدة أعمال ومصممة للحلي وممثلة لشركة العائلة (Princess)، وليست بصفتها الإعلامية، انطلاقاً من سعيها إلى تقديم منتج سوري يحمل هوية ثقافية واضحة، قادر على المنافسة والوصول إلى أسواق أوسع، مع الحفاظ على خصوصية التصميم اليدوي وجودته.
وأضافت: “أسعى إلى أن تتحول كل قطعة إلى قصة تُرتدى، تحمل شيئاً من الذاكرة السورية، وتربط بين الموروث الشعبي والذوق الحديث”، موضحةً أن هذه الرؤية تقوم على استلهام روح التراث السوري بوصفه مصدراً للإبداع لا نموذجاً للتكرار، حيث يتحول الحرف واللون والخامة إلى عناصر معاصرة تعكس الهوية الثقافية، من دون استنساخ مباشر للزخارف أو الأشكال التقليدية.
مشروع ينسج المستقبل بالتراث
وأشارت الخليل إلى أن مشروعها تأسس بتمويل ذاتي، وأن مشاركتها في المعارض تهدف إلى التعريف بالمشروع وتوسيع دائرة انتشاره، لكونها تتيح لأصحاب المشاريع الصغيرة عرض منتجاتهم أمام الجمهور، وبناء علاقات مهنية، وتطوير فرص التسويق.
وأعربت الخليل عن أملها في افتتاح معرض دائم داخل سوريا مستقبلاً بالتعاون مع جهة داعمة تتبنى المشروع، بهدف نشر ثقافة الحلي المصنوعة من الأحجار الطبيعية، وإحياء هذا الموروث بين السوريين، ولفتت إلى تطلعها أن يكون مشروعها جسراً لإعادة تقديم ثقافة الأحجار الطبيعية والتراث السوري بروح عصرية تحافظ على أصالته، ولا سيما أن المعرفة بقيمة هذه الأحجار لا تزال محدودة لدى كثيرين، في حين تحظى بحضور أوسع في منطقة الجزيرة السورية.
وتجربة بثينة الخليل تشكل نموذجاً لاستثمار المعرفة الأكاديمية في مشروع إبداعي يحافظ على الموروث الثقافي، ويعيد تقديمه بلغة معاصرة، في مسعى يربط الهوية السورية بالحياة اليومية، ويؤكد أن التراث يمكن أن يكون منطلقاً للإبداع والإنتاج، لا مجرد ذاكرة تحفظها الكتب.