حمص-سانا
امتزجت أنغام القدود الحلبية والأغاني التراثية السورية بحركة دمى خيال الظل خلف الستارة البيضاء، بينما تمايلت الأضواء على خشبة المسرح الأرثوذكسي في مدينة حمص مساء أمس السبت، في مشهد أعاد إلى الأذهان سحر أحد أعرق الفنون الشعبية.
وبين تصفيق الحضور وفضول الأطفال الذين تابعوا تفاصيل العرض بشغف، بدت أمسية “رحلة مع الظلال” وكأنها رحلة عبر الزمن، تستحضر ذاكرة المكان وتؤكد أن التراث لا يزال قادراً على مخاطبة وجدان الأجيال بلغة الفن.
أنغام التراث… وحكايات الظلال

الأمسية التي أحيتها مؤسسة تراثنا بالتعاون مع مؤسسة حياة، جمعت بين الغناء الشعبي وفن خيال الظل، في فعالية هدفت إلى صون التراث الثقافي اللامادي، وتعريف الأجيال الجديدة بأحد أبرز الفنون الشعبية الأصيلة، وتقديمه برؤية فنية معاصرة تجمع بين المتعة والمعرفة.
واستهلت الأمسية بوصلة من الغناء الشعبي التراثي، تضمنت قدوداً حلبية وأغاني من التراث الدمشقي والساحلي، في اختيار موسيقي عكس تنوع الموروث السوري وانسجم مع أحداث العرض المسرحي، ممهداً لدخول شخصيات خيال الظل التي نسجت حكاية تستلهم الذاكرة الشعبية وتحمل قيماً إنسانية وثقافية.
خيال الظل يجدد ذاكرة التراث السوري
الفنانة التشكيلية والباحثة في التراث الشعبي، وقائدة فريق “حكايا الظل”، غالية شحادة، أوضحت في تصريح لـ سانا، أن مسرح خيال الظل ليس مجرد عرض ترفيهي، بل هو ذاكرة حية تنقل الحكايات الشعبية، وجسر يربط الماضي بالحاضر، ويحفظ الهوية الثقافية ليبقى التراث حياً في وجدان الأجيال القادمة.
وأضافت شحادة: إن إحياء هذا الفن يمثل إحياءً لأحد عناصر التراث الثقافي اللامادي، المرتبط بعناصر أصيلة في الثقافة السورية، مثل القدود الحلبية والأمثال الشعبية والعود الدمشقي، وهي مكونات تعكس ثراء الموروث الوطني، مشيرةً إلى أن نشاط الفريق لا يقتصر على تقديم العروض، بل ينظم أيضاً ورشات تدريبية لتعليم صناعة دمى خيال الظل باستخدام الخامات التقليدية والحديثة، مع الحفاظ على أصالة هذا الفن وتقنياته.
وبينت أن التحضير لعرض “رحلة مع الظلال” استغرق نحو شهر، وشمل كتابة النص، وتصميم الشخصيات والدمى، وإعداد الموسيقا المصاحبة، بما يضمن انسجام العناصر البصرية والسمعية في تجربة فنية متكاملة، مؤكدةً أن الفن يشكل وسيلة فاعلة لتعزيز التواصل بين أفراد المجتمع.
الفن الشعبي يصنع جسور التواصل
وأعربت هنادي أبو هنود، إحدى الحاضرات، عن إعجابها بمستوى الأمسية، مؤكدةً أنها أعادت إليها ذكريات جميلة مرتبطة بالتراث السوري، وقدمت فن خيال الظل بصورة جذابة تناسب مختلف الفئات العمرية، ولا سيما الأطفال والشباب، بما يسهم في تعريفهم بهذا الفن العريق وتشجيعهم على التفاعل معه.
ولم تقتصر أهمية الأمسية على تقديم عرض فني، بل عكست مشروعاً ثقافياً مستداماً يهدف إلى إحياء الفنون الشعبية وصون التراث اللامادي عبر التدريب والتوثيق والعروض الدورية، بما يعزز حضور هذا الإرث في الحياة الثقافية، ويؤكد دوره في الحفاظ على الهوية الوطنية، وبناء جسور التواصل بين الماضي والحاضر.
ويعد مسرح خيال الظل من أقدم الفنون المسرحية الشعبية في المشرق، إذ ازدهر في دمشق ومدن عربية أخرى لقرون طويلة، جامعاً بين الترفيه والحكاية والنقد الاجتماعي، قبل أن يتحول اليوم إلى أحد الفنون التي تتطلب جهوداً للحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال الجديدة بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية للمجتمع.





