دمشق-سانا
في ليلة استثنائية، التقى عزف البيانو الكلاسيكي بالإنشاد والمولوية على مسرح دار الأوبرا بدمشق، وذلك خلال الأمسية التي قادها الموسيقار غزوان الزركلي مع فرقة إحياء التراث، التي قدمت على مدار ساعة كاملة تجربة مبتكرة دمجت الموشحات الأندلسية بالقوالب السيمفونية الغربية.
بيتهوفن يفتتح الرحلة الموسيقية
استهل الزركلي الحفل بعزف إحدى سوناتات الموسيقار الألماني لودفيغ فان بيتهوفن (1770-1827)، التي اتسمت بحركة معتدلة السرعة وثراء تعبيري، وانتقلت بين مقاطع بطيئة تحمل أجواء الشجن، وأخرى أكثر حيوية اعتمدت أسلوب “الفوغا”، قبل أن تعود إلى الألحان الهادئة، مقدمةً للجمهور نموذجاً من الموسيقا الكلاسيكية الغربية.
الموشحات والتقاسيم… استحضار للتراث العربي
بعد ذلك، قدمت فرقة الموسيقا العربية لإحياء التراث سماعي نهاوند للموسيقار الراحل روحي الخماش، حيث أبدعت آلات العود والقانون والناي وبقية الآلات الشرقية في أداء جماعي تميز بالتناغم، إلى جانب فواصل عزف منفرد أظهرت مهارات العازفين.

وقدم الفنان صلاح قباني تقاسيم على آلة القانون حملت روح المقامات الشرقية، قبل أن يؤدي كورال الفرقة وصلة من الموشحات الأندلسية شملت “أحن شوقاً”، و”يا شادي الألحان”، و”صحت وجداً”، وصولاً إلى موشح “يا هلالاً”، وسط تفاعل لافت من الحضور.
كما كان للناي حضور خاص من خلال تقاسيم شرقية عكست ما يحمله هذا الصوت من معانٍ وجدانية مرتبطة بالحزن والصبر والتأمل، لتختتم الفرقة الأمسية بمشاركة فرقة المولوية في حضرة “كلنا محبة ولله نصلي”، التي تضمنت الابتهالات والتواشيح الدينية ومديح الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، وشكلت لوحة روحانية لاقت استحسان الجمهور.
سوريا هي السيمفونية الأولى في التاريخ

وأكد الموسيقار السوري العالمي غزوان الزركلي، في تصريح لمراسلة سانا، أن اختيار عنوان الأمسية “سوريا السيمفونية الأولى” جاء تذكيراً بأن بلادنا شهدت اكتشاف أول تدوين موسيقي في التاريخ بمدينة أوغاريت، مشيراً إلى أن البرنامج يجسد لقاءً بين الموسيقا الكلاسيكية الأوروبية التي يمثلها بيتهوفن، والكلاسيكية العربية المتمثلة بالموشحات والمولوية، بما يمنح الأمسية خصوصيتها الفنية والثقافية.
إعادة الشباب إلى الموسيقا العربية الأصيلة
من جانبه، أوضح قائد فرقة الموسيقا العربية لإحياء التراث الفنان صلاح قباني، في تصريح مماثل، أن تجربته في إحياء الحفلات أظهرت وجود فجوة بين شريحة من الشباب والموسيقا العربية الشرقية الأصيلة، ولا سيما الموشحات الأندلسية التي تعد فناً راقياً يحتاج إلى مزيد من التعريف والاهتمام.
وأعرب قباني عن حرصه على تقديم المقامات العربية والموشحات لتعريف الأجيال الجديدة بهذا التراث، وتعزيز ارتباطهم به، كما كشف عن سعيه مع أعضاء فرقته إعداد برامج فنية متجددة تضم مختارات من الموشحات، لأن الحفاظ على هذا الإرث يمثل رسالة ثقافية ووطنية، على حد تعبيره.

وأوضح قباني أن الانفتاح على التجارب الموسيقية المختلفة، والاستماع إلى الموسيقا الغربية إلى جانب الموسيقا العربية، يسهم في توسيع آفاق الفنانين وإغناء تجاربهم، ويعزز الحوار الثقافي، مؤكداً أن الجمهور يبقى الحكم الحقيقي على قيمة ما يقدم من أعمال.
يذكر أن الموسيقار غزوان الزركلي من مواليد دمشق عام 1954، وعمل أستاذاً للموسيقا في دمشق وبرلين والقاهرة، وهو عازف بيانو حاصل على عدد من الجوائز في سوريا ولبنان والجزائر، بينما تُعنى فرقة الموسيقا العربية لإحياء التراث بقيادة الفنان صلاح قباني بتقديم التراث العربي الأصيل عبر برامج غنائية شرقية تضم نخبة من العازفين السوريين، مع تركيز خاص على الموشحات والقصائد والأغاني الطربية، وفق تناغم المقامات والإيقاعات.


