دمشق-سانا
شكّلت المكانة العلمية التي تبوأها الإمام محمد أمين بن عابدين محور محاضرة ألقاها اليوم الثلاثاء الباحث الموثّق عبد الرحمن قصص، مسلّطاً الضوء على الإسهامات التي قدّمها الإمام للمذهب الحنفي من خلال مؤلفاته وتحقيقاته، ومنهجه الدقيق في تحرير المسائل الفقهية، وهو المنهج الذي رسّخ مكانته مرجعاً معتمداً لدى الفقهاء والقضاة والمفتين.
واستضاف المركز الثقافي العربي في أبو رمانة المحاضرة التي حملت عنوان “الإمام الموسوعي وخاتمة المحققين محمد أمين بن عابدين”، حيث استعرض قصص السيرة العلمية لهذا العلّامة بوصفه أحد أبرز فقهاء المذهب الحنفي، مبيناً أنه وُلد عام 1784 ميلادي في حي القنوات بدمشق، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتوجّه منذ صغره إلى طلب العلم، وبلغت مؤلفاته المطبوعة نحو خمسة وخمسين كتاباً ورسالة في الفقه وأصوله والحديث والعقيدة واللغة وغيرها، ما يعكس غزارة إنتاجه وسعة علمه.

وركّز قصص على كتاب “رد المحتار على الدر المختار” باعتباره أشهر مؤلفات الإمام وأكثرها اعتماداً في القضاء والإفتاء والبحث الفقهي، نظراً لما تميّز به من تحرير دقيق للمسائل، وبيان الراجح من الأقوال، والاعتماد على المصادر الأصيلة في المذهب، ما جعله مرجعاً رئيسياً في الدراسات الحنفية.
ونوّه قصص بالمنهج العلمي الرصين للإمام ابن عابدين، القائم على التحقيق والتدقيق والجمع والترتيب والاستدراك وتصحيح الأقوال، الأمر الذي أكسبه لقب “خاتمة المحققين”، مشيراً إلى أنه كان يعرض مؤلفاته على شيوخه قبل نشرها، ما منحها مكانة علمية مرموقة وثقة واسعة لدى العلماء والباحثين.
كما أوضح أن منهج التحقيق الذي اعتمده الإمام يقوم على فهم النصوص والرجوع إلى المصادر الأصلية والموازنة بين أقوال الفقهاء وترجيح المعتمد منها وفق أصول المذهب، مؤكداً أن هذا المنهج لا يزال نموذجاً يُحتذى في البحث العلمي والدراسات الشرعية المعاصرة.
وفي تصريح لـ “سانا”، أكد قصص أن إعادة تسليط الضوء على أعلام دمشق، وفي مقدمتهم الإمام ابن عابدين، تهدف إلى وصل الأجيال الجديدة بجذورها العلمية وإبراز الدور الحضاري الذي اضطلع به العلماء السوريون في خدمة الفقه والفكر والعلوم، وشدّد على أن استئناف المحاضرات المعنية بتراث العلماء السوريين يمثل خطوة مهمة في إحياء الذاكرة العلمية والثقافية الوطنية، لافتاً إلى أن النظام البائد همّش كثيراً من الجوانب المشرقة في التراث العلمي السوري.
ومن الحضور، عبّر الباحث في التراث أنس تللو عن رغبته لو توسّعت المحاضرة في تناول البيئة الاجتماعية للإمام والعوامل التي أسهمت في إبراز عبقريته الفذة في التاريخ الإسلامي.
وتأتي هذه المحاضرة ضمن سلسلة الأنشطة الثقافية التي تنظمها وزارة الثقافة بهدف إحياء التراث العلمي والفكري السوري، والتعريف بأعلامه وإسهاماتهم الحضارية، بما يعزز الوعي بالهوية الثقافية والوطنية ويربط الأجيال بإرثها العلمي.

