الحسكة-سانا
تتنقل النساء بين الأقمشة المطرزة والأعمال اليدوية وروائح الحلويات التقليدية، في أجواء تنبض بالألوان والحركة داخل البازارات النسائية، والتي باتت تشهد حضوراً متزايداً في المحافظات السورية، حيث تتحول هذه الفعاليات إلى منصات ثقافية واجتماعية تفتح المجال أمام النساء لعرض مواهبهن وإبداعاتهن، وتمنح الحرف اليدوية والفنون التقليدية مساحة جديدة للحياة والتطوير.
وفي مدينة الحسكة، برزت هذه البازارات بوصفها مساحة تجمع بين الفن والعمل والهوية الثقافية، إذ لم تعد تقتصر على البيع والشراء فحسب، بل أصبحت نافذة لتعزيز حضور المرأة في المجتمع، ودعم المشاريع الصغيرة، وتشجيع المشاركات على تطوير مهاراتهن وتحويل مواهبهن إلى فرص إنتاجية واقتصادية.
التراث يلتقي بروح العصر
تعرض المشاركات في هذه البازارات منتجات يدوية متنوعة تشمل الخياطة والتطريز والرسم والصناعات اليدوية، مثل المجسمات المصنوعة من الشمع ومواد أخرى، إلى جانب الحلويات والمأكولات التقليدية والأعمال الفنية المعاصرة، في مشهد يجمع بين التراث والحداثة ويعكس خصوصية البيئة المحلية وتنوعها الثقافي.
وفي تصريح لوكالة سانا، قالت منظمة أحد البازارات المقامة في مدينة الحسكة تحت اسم “أنامل مبدعة” قمر شرتوح: إن الهدف من إقامة البازارات النسائية لا يقتصر فقط على البيع والشراء، وإنما يتعداه إلى تعزيز الثقة بالنفس لدى النساء المشاركات، وتشجيعهن على ريادة الأعمال والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد الوطني.
وأضافت شرتوح: إن هذه الفعاليات تسهم أيضاً في بناء شبكة من العلاقات الاجتماعية والمهنية بين النساء، بما يفتح آفاقاً جديدة لتبادل الخبرات والدعم المتبادل، مؤكدةً السعي إلى أن تكون هذه البازارات ذات طابع مؤسسي وتحظى برعاية من وزارتي الثقافة والشؤون الاجتماعية والعمل.
مواهب تبحث عن التطور والمنافسة
من الناحية الفنية، تحمل هذه البازارات دلالات تتجاوز الجانب التجاري، إذ تسهم في استعادة الفنون التقليدية التي كادت تندثر، مثل التطريز اليدوي والنقش على الخشب وصناعة الفخار، إلى جانب تطوير التصاميم والألوان بما يواكب روح العصر ويحافظ في الوقت نفسه على الجذور الثقافية.
وأشارت شرتوح إلى أن المشاركات يسعين إلى إنتاج “علامات تجارية” خاصة بهن قادرة على المنافسة، بما يعكس طموح النساء لتحويل الأعمال اليدوية إلى مشاريع مستدامة تجمع بين الإبداع والحضور في سوق العمل.
من جهتها، أوضحت المشرفة على بازار “أنامل مبدعة” ريم الشيخ صالح أن الأعمال الفنية المعروضة تحمل رسائل إنسانية تعبّر عن الأمل والتضامن والتمكين، وتعكس حساسية المرأة تجاه مجتمعها وظروفه، إضافة إلى إبراز قضايا اجتماعية وإنسانية عبر الفنون التشكيلية والحرف اليدوية المبتكرة.
وأكدت الشيخ صالح أن مشاركة النساء في هذه البازارات تشكل خطوة مهمة في مجال إظهار المواهب والحرف اليدوية على مستوى سوريا.
البازارات… مساحة للتدريب والتمكين
وأوضحت إحدى المشاركات في البازار آلاء كنعي أن المشاركة في هذه الفعاليات تتيح لهن توسيع دائرة المعارف واكتساب خبرات جديدة في مجالات التسويق والإدارة، إلى جانب تطوير المهارات الفنية، ما يعكس الأثر الإيجابي لهذه المبادرات على حياة المرأة اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً.
وأضافت كنعي إن مثل هذه النشاطات تحتاج إلى مزيد من الدعم والتسليط الإعلامي لتوسيع انتشارها وتعزيز تنوعها واستمراريتها.
وبالإضافة إلى عرض المنتجات، تشهد بعض البازارات النسائية إقامة ورشات عمل ودورات تدريبية تهدف إلى تطوير مهارات المشاركات وتعريفهن بأحدث الأساليب في الحرف والفنون، بما يسهم في رفع جودة المنتجات وتنويعها بما يتناسب مع احتياجات السوق.
وباتت البازارات النسائية اليوم أكثر من مجرد مناسبات تجارية، إذ تحولت إلى منصات ثقافية وفنية تعكس حيوية المرأة السورية وقدرتها على الإبداع والإنتاج، وتقدم نموذجاً مجتمعياً يجمع بين الحفاظ على التراث، وتشجيع العمل، وفتح مساحات جديدة للتمكين والتنمية المستدامة.