الشريط الأخباري

بين المعايير المزدوجة والحقائق المستجدة – صحيفة البعث

في اللحظة ذاتها التي كان وزير داخلية أردوغان يشتكي من معايير واشنطن المزدوجة، كان “سلطانه” يتنكّب قضية الصحفي المقتول جمال خاشقجي ليعرضها أمام الدول الكبرى في باريس إحقاقاً للعدالة، كما يحاول الإيحاء، فيما “قضاؤه العادل” يضيف صحفياً جديداً إلى قائمة الصحفيين المسجونين في الدولة الأكثر انتهاكاً لحرية الصحافة وصاحبة لقب أكبر سجن للصحفيين في العالم وفق تقارير موثوقة لمنظمات حقوقية وأممية معروفة للجميع.

والحق أن السلطان، وكما بات معروفاً للجميع، لم يحمل جثة خاشقجي من أجل الحقيقة، فهذه آخر ما تُعنى بها حسابات رجل مثله، بل باعتبارها ورقة مفيدة تضاف لأوراق دفتر الحلم الأردوغاني القديم – وفق وصفة مفكّره السابق داوود أوغلو – باستعادة زعامة الأمة الإسلامية، بعد أن سقط وهم “الأوربة” الذي أجهضته أوروبا ذاتها لأسباب غير خافية على أحد، الأمر الذي لم يترك أمامه سوى دور تركيا التقليدي، “دولة جناح” – ثانية بعد “إسرائيل” – يقتصر فعلها على تنفيذ سياسات المعسكر الغربي في المنطقة، وهو ما حاول موازنته بعلاقات “جيدة” مع روسيا وإيران، حتى جاء خاشقجي بقضيته و”قميصه” يمنحه فرصة جديدة لإعلان “فرمانه” الأول بانتزاع الخلافة الإسلامية من المنافسين الآخرين، سواء كانوا ملوكاً على مثال “آل سعود” أو إرهابيين على مثال “الخليفة البغدادي”، خاصة أن الجريمة/الفرصة تزامنت مع الذكرى المئوية لانتهاء الحرب العالمية الأولى، وهي ذكرى مهينة للطورانيين عموماً وللعثمانيين منهم خصوصاً، وقد تسمح هذه الجريمة بإعادة “تصحيح التاريخ”، ووصل ما انقطع في سلسلة الخلافة العثمانية “المجيدة”!.

بهذا المعنى يكون الأمر أبعد من حرية صحفي ومن معرفة حقيقة مقتل آخر، لأن معايير الدكتاتور المزدوجة معروفة للجميع، فثلث الصحفيين المحبوسين في العالم يقبعون في سجونه، وخلال شهرين من عام واحد أُغلقت أكثر من مئة وسيلة إعلامية بأوامر مباشرة منه، وما قاله “حسني محلي” – ضحية السلطان الجديدة – عن دكتاتوريته ورعايته المباشرة للإرهابيين يقوله الجميع من حلفائه وخصومه في الداخل والخارج، ثم إنه، ومنذ اللحظات الأولى لجريمة القنصلية، كان يعرف من أمر ومن نفّذ ومن قطّع، بل هناك شكوك منطقية بأنه، كما المخابرات الأمريكية والبريطانية، تغاضى عن معلومات مسبقة بإمكانية حدوث الجريمة لاستغلالها لاحقاً، والدليل الأكبر سماحه لفريق القتل بمغادرة تركيا عبر مطارها الدولي بسلام تام.

وفي الحقيقة فإن الرجل الذي يعاني انكسارات عديدة في صورته نتيجة سياساته السابقة واجهها برعونة أحياناً، والتراجع والاعتذار أحياناً أخرى، يواجه اليوم معادلتين ربما تكونان الأصعب والأخطر في تاريخه نتيجة التغييرات الملحوظة على التحالفات الدولية التي رُسمت بعد الحرب العالمية الثانية، أولها، الحديث الفرنسي عن “امبراطورية أوروبية” وجيش أوروبي بديلاً للناتو في مواجهة المخاطر القادمة من روسيا والصين وأمريكا، وذلك بقدر إضراره بواشنطن باعتباره خروجاً أوروبياً من عباءتها، فإنه، لو تحقق، يضر بتركيا أكثر، بل يخرجها من المعادلة العالمية باعتبارها ثاني أكبر جيش في “الناتو” بعد الجيش الأمريكي، أما ثانيها، فهو عزم واشنطن تشكيل الناتو العربي، بعضوية “إسرائيلية” خفية وطبيعية في الآن ذاته، ما يعني إخراج تركيا من المعادلة الإقليمية أيضاً، وإذا كان الرجل لأسباب موضوعية عدة لا يملك رأياً مؤثراً في المعادلة الأولى، فإن “قميص” الخاشقجي قد يكون ورقته الأهم في خلخلة المعادلة الثانية لمصلحته، وكي يحافظ على بقاء سياسي لمشروعه السلطاني الكبير.

قصارى القول، خاشقجي، وغيره، ليس إلا ورقة في معايير السلطان المزدوجة من أجل صفقة ابتزازية – وزير خارجية بريطانيا في الرياض للحصول على حصة منها – لا تريد واشنطن وباريس منها سوى المال، وترويض بعض السياسات المنفلتة لحكام “الاندفاع بلا رؤية”، ما يعني أن “القميص” مهدّد بأن يصبح أقل مردودية يوماً بعد آخر، لأن السلطان يريد المال والترويض والزعامة الإسلامية والإقليمية معاً، وتلك آمال لا يبدو أن حقائق الواقع القديمة والمستجدة ستسمح له بتحقيقها.

أحمد حسن