بصمات مبدعة.. حنا مينه شيخ الروائيين وروائي البحر الأول في الأدب العربي

دمشق-سانا

“المستقبل للرواية قولوا هذا على لساني” عبارة من حوار صحفي أدلى به الأديب الراحل حنا مينه سنة 1978 فيما يشبه النبوءة التي تحققت بعد عقود عندما أصبحت الرواية هي الكتاب المفضل عند عموم القراء.

ولكن استشراف مستقبل الأدب ليس وحده ما تفرد به مينه فهو شيخ الروائيين العرب في القرن العشرين دون منافس وصاحب الإنتاج الأبرز الذي وصل إلى 39 رواية كتبها على مدى أكثر من نصف قرن وهو روائي البحر الأول في الأدب العربي الحديث كما وصفه الأديب والناقد المصري أحمد محمد عطيه.

ولد حنا مينه في التاسع من آذار من عام 1924 لأسرة تعاني فقراً أسوداً كما وصفها وكان الصبي الأول بعد ثلاث بنات وتحدث عن ذلك لاحقاً وكيف بكت والدته ودعت أن ترزق بغلام فكان حجر الزاوية كما وصف نفسه.

أوضاع أسرته الضعيفة مادياً دفعته إلى الارتحال المستمر للبحث عن الزرق فتعين على الطفل الصغير أن ينتقل مع عائلته من اللاذقية إلى مدينة السويدية في لواء إسكندرون السليب ثم إلى مدينة الاسكندرونه حيث اضطرته الظروف للعمل كعرضحالجي يكتب للناس شكاياتهم ورسائلهم لأحبتهم مقابل مبلغ بسيط.

وفي عام 1936 بعد أن نال حنا الشهادة الابتدائية انقطع نهائياً عن الدراسة وأصبح مطالباً المساهمة في إعالة أفراد الأسرة وتأمين لقمة العيش حيث قال عن ذلك “الحياة لم تهادني وأنا لم أهادنها وهي التي جعلتني أتوقف عن الدراسة وعملت في مهن كثيرة من الميناء إلى مراكب البحر وأجيراً لصيدلي وحلاقاً وصحافياً”.

الأوضاع المادية التي عاناها حنا في طفولته ويفاعته ولمسها عند سكان المناطق التي سكنها جعلته لاحقاً من أشد المؤمنين بالعدالة الاجتماعية حتى يكون للإنسان طعام وملبس وغيرها من حاجاته البسيطة.

سيصور مينه بعضاً من الحياة الشاقة التي عاشها وهو طفل في قصته الشهيرة على الأكياس والتي يخبرنا فيها عن اليازرلي رئيس عمال البحر القوي طيب القلب الذي لمس ضف بنية حنا الناتج عن الفقر وسوء التغذية وتميزه عن أقرانه بمعرفة القراءة والكتابة فأعفاه من العمل البدني الشاق وكلفه بالكتابة على الأكياس على مخازن الميناء.

وفي عام 1939 عندما احتلت تركيا لواء اسكندرون نزح مينه مع أسرته إلى مدينة اللاذقية مجدداً حيث وجد نفسه منخرطاً بقوة في العمل الوطني فاشترك بمظاهرة للطلبة ضد الاحتلال الفرنسي سجن على أثرها.

بدأت تظهر براعة حنا في الكتابة للجمهور منذ أواخر الأربعينيات من بوابة الصحافة إذ لم يكتف بنشر قصصه على صفحات الجرائد بل عمل في جريدة الانشاء الدمشقية إحدى أهم صحف تلك الحقبة ثم كتب مسرحية وصفها بالدونشكوتية واعتقد أنه عندما كتبها بأنه سيغير الحياة.

هذه المسرحية التي ضاع مخطوطها لاحقاً كانت دافعه نحو الاستمرار في مغامرة الكتابة رغم أنه وصف نفسه بالكاتب بالصدفة ولكن الحياة ومعاناته العميقة معها وكفاحه الطويل جعله يجد في نفسه القدرة على كتابة هذه التجارب.

العمل الروائي الأول لمينه كان المصابيح الزرق والذي صدر عام 1954 وكاتبنا كان في الثلاثين من العمر واستغرقت كتابتها 3 أعوام وكان كلما كتب منها فصلاً يعود له معدلاً ولاغياً ومضيفاً ذلك أنه استوحى مادتها من صميم ما عانة الناس في مدينة اللاذقية زمن الحرب العالمية الثانية عندما كانوا يدهنون مصابيح بيوتهم باللون الأزرق خوفاً من غارات الطيران.

وعلى عكس المتوقع بعد أن نجح مينه بفرض اسمه كروائي شاب متمكن غاب عن الساحة طوال عشرة أعوام لأنه اضطر لمغادرة البلاد قبل أن يصدر روايته الأشهر الشراع والعاصفة التي صنفت في المرتبة 14 بين أهم 100 رواية عربية.

 وعلل مينه لقراءه لاحقاً سبب هذا الغياب “كانت هذه الفترة مرحلة تشرد فرضت علي لكنها أتاحت لي أن أطوف بلاداً كثيرة وأتعرف على عوالم غريبة وازداد خبرة بالمعرفة والأشياء ولم يكن في حياتي إلا الوضوح والإيمان بقضايا الناس والعمل لأجل أمتي العربية”.

بعد عودة مينه للبلاد عمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي وظل فيها حتى تقاعده وأتاح له ذلك أن يتفرغ أكثر للأدب وأن يحتك بالوسط الثقافي في سورية وأقطار عربية فصدرت له في بحر عقد من الزمن أشهر رواياته من الثلج يأتي من النافذة والياطر وبقايا صور وحارة الشحاذين.

ومن الملاحظ في أدب مينه الروائي تمسكه بالواقعية مذهباً أدبياً التي وجد أنها فتحت له كما قال حدوداً لا نهاية لها مؤكداً أنه كاتب واقعي بالأصل ورفضه أن يكون الرمز والأسطورة بديلاً عنه رغم أنه أعطى هذا الواقع مستويات مختلفة كما في رواته الشمس في يوم غائم.

وكان مينه يرى أن الواقعية في الأدب أرحب بكثير وأن معرفتنا بالشيء وتجاربنا تمنحنا القدرة على فهمه بعمق والتعبير عنه مؤكداً أن أفضل كتاب الشعب هم من يخرجون من قلب الشعب.

ويسكن البحر تلافيف وشخوص روايات مينه حيث أعاد ذلك إلى أن البحر ملك عليه مشاعره وحواسه فهو بحار ومن عائلة بحارة وبينه وبين البحر حالة وجد وعشق لأنه يأخذه في رحلة مع عالم متخيلاته بدون أن يصطدم بجدران الأبنية أو صخور الجبال أو حواجز الشجار وهو لم يكتب عن البحر ليبهر القارئ العربي بل فعل ذلك ليفرغ شحنة الحب التي تملأ صدره نحو البحر.

ولم ينف أو يؤكد مينه وجوده في شخوص رواياته الشهيرة ولكننا نجد فيها ملامحاً منه فمن يعرفه عن كثب يجد أن سيرة حياة مفيد الوحش في نهاية رجل شجاع تتقاطع مع سيرته كما كان الطروسي العائد للوطن في الشراع والعاصفة جزءاً منه وهو زكريا المرسلي العاشق للبحر في الياطر وهو أيضاً المناضل اليساري فياض في الثلج يأتي من النافذة وهو المغامر صالح حزوم في ثلاثية حكاية بحار.

وكان مينه يعتقد أن المقدس الوحيد الذي يجب على الأديب أن يلتزم به هو الصدق وكل ما هو صادق فهو أخلاقي بالضرورة وكان يميل في أسلوبه الأدبي إلى استخدام لغة بعيدة ورافضة لصيغ الباغة والإنشائية وكثرة المفردات النعتية وللكلمة الواحدة وللتشبيهات المهترئة والصور التقليدية والخطابة والحماسة والبعد عن التقعر وكان يؤمن أن لغة القصة والرواية هي غير لغة الشعر وكان ينبذ اللهجة العامية واللغة الصحافية أعماله مع احترامه للصحافة.

وظلت تجربة مينه القصصية ضئيلة مقارنة بنتاجه الروائي فأصدر مجموعتين قصصيتين فقط لأنه لم يجد نفسه معلماً كما ينبغي كما ذكر هو.

الجانب الآخر الذي أظهر فيه مينه إبداعاً غير مسبوق كان نقده الأدبي إذ أصدر عشرة كتب من الدراسات حول الرواية والقصة وأعلام مفكرين تجلت فيها ثقافته الواسعة وتبحره الغزير واعتقاده الراسخ بدور الأدب التنويري والطليعي إذ توجه في كتابه (قضايا أدبية وفكرية) إلى الفنانين والأدباء أن يتخذوا من الإنسان موضوعهم وأن يهتموا به لأنه أثمن ما في الوجود وأن يصنعوا لأنفسهم أهدافا وأن يعبروا عن الحقيقة”.

القيمة التي حملها أدب مينه جعلته محط أنظار مخرجي السينما والدراما إذ ظهر له ثمانية أعمال آخرها كان فيلم الشراع والعاصفة ومسلسل المصابيح الزرق.

حياة مينه امتدت حتى 94 عام عانى في سنواتها الأخيرة من المرض فانزوى إلى بيته من دون أن يفقد نهمه للمطالعة والكتابة وظل يستقبل ضيوفه في بيته بدمشق حتى قبيل وفاته بمدة وجيزة حتى جاء يوم الجمعة 21 آب من عام 2018 عندما توقف قلمه الذي حمل دائماً قضايا الناس وهموم الفقراء كما نعاه بذلك الأب إلياس زحلاوي يوم تشييعه.

كان مينه مرشحاً سنوياً لنوبل وكان يستحقها لجملة أمور من مسيرته الأدبية الحافلة وتفرده في أدب البحر ولكن مواقفه من القضية الفلسطينية وقضايا الشعوب أبعداه عنها ولكنه مع ذلك نال العديد من التكريمات في مصر والإمارات ولكن الأهم كان في بلده عندما نال وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة.

سامر الشغري

انظر ايضاً

قصص تستلهم مضمونها من الحرب في مهرجان حنا مينه القصصي

دمشق-سانا تجارب ستة من القاصين السوريين الشباب تستلهم مضمونها من الحرب الإرهابية على سورية قدمها …