الشريط الأخباري

أدبيّات الحزب.. وسرديّات الحرب قراءة أخرى في مقابلة السيد الرئيس

كانت أدبيات حزب البعث العربي الاشتراكي – ولاتزال – تحيل في مصادرها ومراجعها إلى: دستور الحزب – منطلقاته الفكرية – نظامه الداخلي – كلمات الرفيق الأمين العام للحزب. وعلى هذا النسق نشأت ثقافة أجيال البعثيين ووعيهم والتزامهم، وتضحياتهم أيضاً، ولا سيما رفاقنا في فروع الجيش العربي السوري.

سرديّات الحرب على سورية، وفيها، تفرض اليوم معطيات جديدة في الحالة الوطنية، وفي الحالة العربية، وكذلك الدولية، فمع هذه الحرب وتداعياتها ومستلزمات مواجهة تحدياتها دخلت – إلى حدّ ما – المصادر الثلاثة الأولى الحياة الأرشيفية، رغم تعدد محاولات تحديثها، في وقت فرضت الحرب الإنصات الدقيق، والتفاعل الحي، مع أدبيات الرفيق الأمين العام للحزب السيد الرئيس بشار الأسد لتتويج التاريخ النضالي الوطني والعروبي، ولا شك البعثي أيضاً… حيث الاستهداف واحد.

مع هذه الأدبيات ولا سيما مقابلة الرفيق الأمين العام للحزب مساء الخميس 31-10-2019 مع قناتي “السورية” و”الإخبارية السورية” لم تعد أدبيات الحزب إيديولوجيّة فقط، بل عملياتية أيضاً لا تنقصها البراغماتية والدينامية والحيوية الفاعلة، ما يعود بالذاكرة إلى قمة اللاءات الثلاثة في الخرطوم بُعيد نكسة حزيران 1967: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع العدو الصهيوني قبل عودة الحقوق، والتي غابت عنها سورية إذ دعت إلى حرب تحرير شعبية.

في مقابلة السيد الرئيس ظهر بعدٌ “جديدٌ” للحالة الشعبية المقاوِمة للاحتلال في الشمال: “كلمة مقاومة بحاجة لحالة شعبية نقيض العمالة، حالة شعبية وطنية تقوم بعملية المقاومة والدور الطبيعي فيها للدولة.. من خلال إعادة صياغة الوضع الوطني في المجتمع السوري.. استعادة الوطنية ووحدة الرأي، وألّا تكون الخيانة مجرد وجهة نظر”. وكذلك بالرغم من قول سيادته في أردوغان إنه لص: “أنا لم أشتمه، أنا، أصفه، هو يمارس الزعرنة السياسية، يكذب على الجميع ويبتزّ الجميع”، لكنه أردف وقال: “المشاعر نضعها جانباً عندما تكون هناك حالة وطنية تتطلب اللقاء مع جماعة أردوغان”.

وكذلك الأمر في حديث سيادته عن اتهام حزب البعث بالشوفينية جرّاء إحصاء 1962: “لم يكن حزب البعث حينها موجوداً في السلطة… من حقّنا أن نكون حذرين من الطروحات الانفصالية، ولكن لا توجد لدينا مشكلة مع التنوّع السوري الجميل والغني، فمعظم الأكراد على علاقة جيدة مع الدولة، يتواصلون معنا ويطرحون أفكاراً وطنية حقيقية”.

إن الأفكار العديدة والمتنوعة الواردة في هذه المقابلة تختزل السرديّة الوطنية للحرب على سورية، هذه السرديّة التي نحن اليوم وغداً أحوج ما نكون إليها لاعتبارات عديدة منها: وجود سرديّات عديدة غير وطنية، وغير أخلاقية، وهي مزيّفة وبعيدة عن الواقع ترتبط بما يؤكد وجود معطيات نظرية المؤامرة، وبما سيشتت وعي الأجيال القادمة ويضعها أمام مفترق طرق وتساؤلات مريرة إذا لم نكرّس هذه السردية الوطنية بالاشتغال العلمي الدقيق والمتخصّص عليها.

ومنها أيضاً إن هذه الحرب وطنيّة عظمى بكل معنى الكلمة، وعروبيّة أيضاً بمعنى تلازم النضالين الوطني والقومي، هذا التلازم الذي كان واضحاً في القرن الماضي، ويتم العمل من كل حدب وصوب على تقويضه هذه الأيام.

ومنها أيضاً ضرورة وجود مدوّنة وطنية واضحة ومقنعة للأجيال كُتبت حروفها المضيئة بدماء شهدائنا وجرحانا البررة الأطهار.

نحن هنا بحاجة دقيقة، ولاسيما مع تحليل المعطيات الغنية لهذه المقابلة إلى تحليل أسبابها ودلالاتها تحليلاً تفاعلياً واعداً بنّاءً يقترن فيه الوعي بالنتيجة، وإلى الأخذ بمعطيات نظرية التلقي بأبعادها الثلاثة: المرسِل – المرسَل إليه – الرسالة، من حيث الإفادة من توصيف التجربة المعاصرة في علم النص، والأسلوبيّة، واستثمار المرجعيات المتنوعة في التفاعل مع بنية النص لخلق تصوّر شمولي موحّد لفعل التلقي لهكذا نص أو لهكذا مقابلة.

في التفاعل بين سرديّات الحرب وأدبيات الحزب يجب أن يتألّق “المجتمع السياسي الوطني السوري”، بعيداً عن التسميات ما تحت الوطنية المطروحة: المجتمع الأهلي والمجتمع المدني، وهنا يبرز دور البعثيين أولاً كقوة سياسية وطنيّة عريقة ورصينة لا يمكن منافسة حضورها، وفي الحالة هذه فالحزب اليوم بحاجة إلى ما هو أكبر من تثبيت العضوية، والانتخابات.. إلخ، أي الوضع التنظيمي على أهميته وضرورته، لأن الإشكاليات الكبرى لاتزال اليوم في الصراع على وعي الأجيال الطالعة، على هويتها وانتمائها ما يرتّب على الثقافة والإعلام والإعداد في الحزب تبعات كبرى ليست اليوم هي المهمة بل الأهم.

ومن هذا القبيل نجد تركيز اهتمام السيد الرئيس في المقابلة على الأجيال ولاسيما الأطفال الذين رزحوا في مناطق تحت وطأة الجماعات المسلحة: “هذا الجيل لا يعرف ماذا تعني دولة القانون، بعض منهم تعلّم مفاهيم خاطئة، متطرّفة، ضد الدولة والوطن، وكُرّست لهم مناهج رسمية”.

صحيح أنه ليست هذه هي المرّة الأولى التي يتحدث فيها السيد الرئيس، فأحاديث سيادته جميعها مهمّة، لكن حديثه بالأمس له وقعه الخاص ودلالاته المتميّزة، ولا سيما في هذا المعترك المصيري الصعب، وقد جاء في وقت متميّز أيضاً كان لا بد فيه من رسالة ليست موجّهة إلى متلقٍ واحد، ولا إلى فريق واحد، فهي رسالة إلى الداخل والخارج من وطنيين، وحلفاء، وكذلك إلى خصوم وأعداء.

إنها نص يجب استثمار مرجعياته المتنوّعة لخلق تصور عام موحّد لفعل التلقي، الوطني خاصة، وهي رسالة أيضاً بحاجة إلى تصنيف، وبيبليوغرافيا، وإعادة قراءة لأنها مدوّنة وطنية في ظل سرديّات كانت شائكة، وزالت مع هذه المقابلة عن: اللجنة الدستورية والانتخابات – العلاقة مع الروس – والأتراك – والاتفاق الروسي التركي – كذلك الأمريكان – العامل “الإسرائيلي” – عن الوضع الداخلي… عن الأمس واليوم، والغد الواعد.

بقلم: د. عبد اللطيف عمران